محمد متولي الشعراوي
6138
تفسير الشعراوى
والحالة الثانية : أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف ، ولكن الرسول الذي يأتي إنما يلزمه بمنهج ، فلا يكسب - على سبيل المثال - إلا من حلال ، ولا يفعل منكرا ، ولا يذم أحدا ، وهكذا يقيد المنهج حركته ، لكن إن اتبع حركة آبائه الضالين ، فالحركة تتسع ناحية الشهوات . ولذلك أقول دائما : إن مسألة التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية ، فالنشء ما دام لم يصل إلى البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء ، لكن فور أن تتكون له ذاتية يبدأ في التمرد ، وقد يقول للآباء : أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح لهذا الزمان ، لكن إن تشرّب النشء القيم الدينية الصحيحة ؛ فسيمتثل لقانون الحق ، ويحجز نفسه عن الشهوات . ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج اللّه في تربية الأبناء وهم يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران « 1 » السوء ، فيتجهون إلى ما يوسع دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد . لكن أبناء الأسر الملتزمة يراعون منهج اللّه تعالى ؛ فلا يقلدون أحدا من أهل السوء ؛ لأن ضمير الواحد منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب . ثم إن تقليد الآباء قد يجعل الأبناء مجرد نسخ مكررة من آبائهم ، أما تدريب وتربية الأبناء على إعمال العقل في كل الأمور ، فهذه هي التنشئة التي تتطور بها المجتمعات إلى الأفضل إن اتبع الآباء منهج اللّه تعالى ، وتتكون ذاتية الابن على ضوء منهج الحق سبحانه ، فلا يتمرد الابن متجها إلى الشر ، بل قد يتمرد إلى تطوير الصالح ليزيده صلاحا . التقليد - إذن - يحتاج إلى بحث دقيق ؛ لأن الإنسان الذي سوف تقلده ، لن يكون مسؤولا عنك ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل :
--> ( 1 ) أقران : جمع قرن ( بكسر القاف وتسكين الراء ) وهو النظير والمثيل . والمراد بأقران السوء : أصدقاء السوء ورفقاء الشر والرذائل . [ لسان العرب : مادة ( ق ر ن ) - بتصرف ] .