محمد متولي الشعراوي

6115

تفسير الشعراوى

وهنا نقول : إن الحق سبحانه وتعالى قد بيّن أنه لن يعذّب قبل أن ينذر « 1 » ، فهو قد أنذر أولا ، ولم يأخذ القوم على جهلهم . « فانظر » - كما نعلم - هي خطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وخطاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشمل أمته أيضا ، وجاء هذا الخبر تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن صادف من قومك يا محمد ما صادف قوم نوح - عليه السّلام - فاعلم أن عاقبتهم ستكون كعاقبة قوم نوح . وفي هذا تحذير وتخويف للمناوئين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ « 2 » فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ « 3 » عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ

--> ( 1 ) يقول الحق سبحانه : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] ويقول : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] النذير والإنذار وجمعه نذر ، قال تعالى : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . . ( 19 ) [ المائدة ] . والنذير هنا : هو الرسول المنذر بالعذاب . والنذر اسم مصدر بمعنى الإنذار كقوله تعالى : فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ( 5 ) عُذْراً أَوْ نُذْراً ( 6 ) [ المرسلات ] وقوله : . . وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) [ يونس ] يحتمل أنها الإنذارات . أو المنذرون من الرسل جمع نذير ، وقوله : وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ . . ( 21 ) [ الأحقاف ] ، والمراد بالنذر هم الرسل المنذرون . ( 2 ) بالبينات : أي : بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به . [ ذكره ابن كثير في تفسيره ( 2 / 426 ) ] . ( 3 ) الطبع : هو الختم على القلب ، ولكنه لا يمحى ولا يفك أبدا . أما الختم فقد يفك ، وقد تكون له مدة معلومة ، وقد يقبل مع التوبة الخالصة . وبكلا الأمرين ورد القرآن : أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ( 108 ) [ النحل ] . وقال سبحانه : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ . . ( 7 ) [ البقرة ] .