محمد متولي الشعراوي

6081

تفسير الشعراوى

والذي جعل هؤلاء يفترون على اللّه الكذب هو انهيار الذات ، فكل ذات لها وجود ولها مكانة ، فإذا ما انهارت المكانة ، أحس الإنسان أنه بلا قيمة في مجتمعه . والمثل الذي ضربته من قبل بحلّاق الصحة في القرية ، وكان يعالج الجميع ، ثم تخرّج أحد شباب القرية في كلية الطب وافتتح بها عيادة ، فإن كان حلاق الصحة عاقلا ، فهو يذهب إلى الطبيب ليعمل في عيادته ممرضا ، أو ( تمرجيا ) ، أما إن أخذته العزة بالإثم ، فهو يعاند ويكابر ، ولكنه لن يقدر على دفع علم الطبيب . وكذلك عصابة الكفر ورؤساء الضلال حينما يفاجأون بمقدم رسول من اللّه ، فهم يظنون أنه سوف يأخذ السيادة « 1 » لنفسه ، رغم أن أي رسول من رسل اللّه تعالى - عليه السّلام - إنما يعطى السيادة لصاحبها ، ألا وهو الحق الأعلى سبحانه . وحين يأخذ منهم السيادة التي كانت تضمن لهم المكانة والوجاهة والشأن والعظمة ، فهم يصابون بالانهيار العصبى ، ويحاولون مقاومة الرسول دفاعا عن السلطة الزمنية . ومثال ذلك : هو مقدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وكان البعض يعمل على تنصيب عبد اللّه بن أبىّ ليكون ملكا « 2 » ؛ ولذلك قاوم الرجل الإسلام ،

--> ( 1 ) وهذا مخالف لمنطق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومفهوم الدعوة ، حيث عرض عليه الكفار المال والملك والسلطان والجاه ، فاختار رب الكل ، وقال قولته التي سجلها الزمن وحفظتها العقول الواعية : « واللّه ولو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه ، أو أهلك فيه ما تركته » أورده ابن هشام في السيرة النبوية ( 1 / 266 ) . ( 2 ) أورد ابن إسحاق في السيرة أن قوم عبد اللّه بن أبي كانوا « قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملّكوه عليهم ، فجاءهم اللّه برسوله وهم على ذلك ، فلما انصرف قومه عند إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد استلبه ملكا ، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارها مصرّا على نفاق وضغن » سيرة ابن هشام ( 2 / 216 ) .