محمد متولي الشعراوي

5819

تفسير الشعراوى

وإياك أن تقول : إن الفيلسوف الفلاني جاء بنظرية كذا ؛ فخذوا بها ، بل دع عقلك يعمل ويقيس ما جاء بهذه النظرية على ضوء ما نزل في كتاب الحق سبحانه ، وإن دخلت النظرية مجال التطبيق ، وثبت أن لها تصديقا من الكتاب ، فقل : إن الحق سبحانه قد هدى فلانا إلى اكتشاف سر جديد من أسرار القرآن ؛ لأن الحق يريد منا أن نتعقل الأشياء وأن ندرسها دراسة دقيقة ، بحيث نأخذ طموحات العقل ؛ لتقربنا إلى اللّه ، لا لتبعدنا عنه ، والعياذ بالله . وإذا قال الحق سبحانه : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ فذلك لأن الشركة تقتضى طلب المعونة ، وطلب المعونة يكون إما من المساوى وإما من الأعلى ، ولا يوجد مساو لله تعالى ، ولا أعلى من اللّه سبحانه وتعالى . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وقد جاءت آية في سورة البقرة متشابهة مع هذه الآية وإن اختلف الأسلوب ، فقد قال الحق سبحانه في سورة البقرة : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ « 1 » . . ( 213 ) والذين يقرأون القرآن بسطحية وعدم تعمق قد

--> ( 1 ) الذين ذهبوا إلى أن الناس كانوا أمة واحدة على الكفر ، فاختلفوا في عبادة مظاهر القوى ، ثم أدركوا أن القوى الكونية زائلة ؛ فاهتدوا بالعقل إلى اللّه تعالى . هؤلاء نسوا الميثاق الأول في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ( 172 ) [ الأعراف ] ، ولكن الناس كانوا أمة واحدة على فطرة الإيمان فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . . ( 30 ) [ الروم ] ، فاختلفوا بعبادة غير اللّه ، فبعث اللّه الرسل ، وإلا كان إرسال الرسل عبثا إذا كان الناس أمة واحدة على الكفر واهتدوا بعقولهم إلى اللّه سبحانه ، وهذا فهم قاصر .