محمد متولي الشعراوي

6049

تفسير الشعراوى

وهناك مثال آخر : حين يقول نوح - عليه السّلام - لابنه : يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا . . ( 42 ) [ هود ] فيردّ الابن قائلا : سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ « 1 » . . ( 43 ) [ هود ] وهذا كلام صحيح من ناحية أن الجبل يعلو مستواه عن مستوى المياه ، ولكن ابن نوح نسي أن لله تعالى جنديا آخر هو الموج ؛ فكان من المغرقين . صحيح أن ابن نوح فطن إلى أن السفينة سوف تستوى على « الجودى » « 2 » ، وأن من يركبها لن يغرق ، وكذلك من يأوى إلى الجبل العالي ، لكنه لم يفطن إلى الموج الذي حال بينه وبين الجبل ؛ فكان من المغرقين . إذن : فكل كائن هو مؤتمر بأمر من اللّه تعالى ، وما دامت العزة لله جميعا فمصداقها أن لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض ، وليس هناك كائن في الوجود يتأبّى على أن يكون جنديا من جنود الحق سبحانه ، فيكون جنديا للإهلاك ، وجنديا للنجاة في نفس الوقت « 3 » . وقول الحق سبحانه هنا : ( ألا ) نعلم منه أن ( ألا ) أداة تنبيه للسامع فلا يؤخذ على غرّة ، ولا تفوته حكمة من حكم الكلام ، وينتبه إلى أن

--> ( 1 ) يقول رب العزة سبحانه : قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) [ هود ] لقد اعتقد ابن نوح بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال ، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق . [ تفسير ابن كثير 2 / 446 ] . ( 2 ) الجودى : قال مجاهد : هو جبل بالجزيرة ، وهو الذي رست عليه سفينة نوح - عليه السّلام . [ تفسير ابن كثير 2 / 446 ] . وقيل : إنه جبل أرارات في شرق تركيا بالأناضول . ( 3 ) يقول تعالى : وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) [ الفتح ] ويقول أيضا : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ . . ( 31 ) [ المدثر ] .