محمد متولي الشعراوي

6036

تفسير الشعراوى

السّمت ، وانبساط الأسارير . والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خلل ، بل يرى كل شئ في موضعه تماما ، ولا يرى أي قبح في الوجود ، وحتى حين يصادف القبح ، فهو يقول : إن هذا القبح يبيّن لنا الحسن ، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناس الحقّ ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق . إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير ؛ ولذلك يقال : كن جميلا في دينك تر الوجود جميلا ؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر اللّه فيها ، هنا يفيض اللّه عليك بهبات من الفيض الأعلى ، وكلما تقرّبت إلى اللّه زاد اقتراب اللّه سبحانه منك ، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق « 1 » . ومثال ذلك : العبد الصالح الذي آتاه اللّه من عنده رحمة وعلّمه من لدنه علما ، هذا العبد يعلّم موسى عليه السّلام « 2 » ، فحين قارن بين خرق العبد الصالح لسفينة سليمة ، ولم يكن يعلم أن هناك حاكما ظالما يأخذ كل سفينة غصبا ؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح ، وتساءل : كيف تخرق سفينة سليمة ؟ وهنا بيّن له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها ، وهي سفينة يملكها مساكين « 3 » . وحين قتل العبد الصالح غلاما ، كان هذا الفعل في نظر سيدنا موسى

--> ( 1 ) ويقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما تقرب إلىّ عبدي بشئ أحبّ إلىّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشى بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه » أخرجه البخاري في صحيحه ( 6502 ) وأحمد في مسنده ( 6 / 256 ) عن أبي هريرة . ( 2 ) قال سبحانه عن موسى وفتاه في لقائهما بالخضر عليه السّلام : فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) [ الكهف ] . ( 3 ) وذلك أن موسى استنكر عليه فعله هذا فقال : أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) [ الكهف ] فكان رده عليه فيما بعد : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) [ الكهف ] .