محمد متولي الشعراوي

6003

تفسير الشعراوى

ومثال ذلك : طبيب الأمراض الجلدية غير الماهر حين يرى بثورا ؛ فهو يعالجها بما يطمسها ويزيلها مؤقّتا ، لكنها تعود بعد قليل ، أما الطبيب المدرّب الفاهم فهو يعالج الأسباب التي تنتج البثور ، ويزيلها بالعلاج الفعّال ؛ فيقضى على أسباب ظهورها . وفي القرآن الكريم نجد قصة ابتلاء سيدنا أيوب عليه السّلام ، فقد قال له الحق سبحانه : ارْكُضْ « 1 » بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) [ ص ] أي : اضرب برجلك ذلك المكان يخرج لك منه ماء بارد ، تغتسل منه ؛ فيزيل الأعراض الظاهرة ، وتشرب منه ليعالج أصل الداء . إذن : فالموعظة وكأنها تجسّدت ، فجاءت من ربكم - المأمون عليكم - شفاء حتى تعالج المواجيد « 2 » التي تصدر عنها الأفعال ، وتصبح مواجيد سليمة مستقيمة ، لا تحلّل فيها ، وهدى إلى الطريق الموصّل إلى الغاية الحقّة ، ورحمة إن اتبعها الإنسان لا يصاب بأىّ داء ، وهذه الموعظة تؤدى إلى العمل المقبول عند اللّه سبحانه . ولكن إن صحّت لك الأربعة النابعة من الموعظة : الشفاء ، والهدى ،

--> ( 1 ) ابتلى اللّه سبحانه عبده ونبيه أيوب - عليه السّلام - بالمرض في جسده وفقد ماله وأولاده . واستمر هذا البلاء مدة ثماني عشرة سنة عاشها صابرا على قضاء اللّه ، ولم يبق معه إلا زوجته التي اضطرت للعمل في خدمة الناس حتى توفر لنفسها ولزوجها الطعام ، ولما دعا أيوب ربه : وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) [ الأنبياء ] استجاب اللّه له وأزال عنه الضر إذ قال له : ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ ( 42 ) [ ص ] لقد أمره اللّه أن يقوم ويركض الأرض برجله ففعل ، فأنبع اللّه في الأرض عينا وأمره أن يغتسل منها ، فأذهب جميع ما كان في بدنه من الأذى ، ثم أمره أن يضرب الأرض في مكان آخر ففعل فأنبع اللّه له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها ؛ فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء ، وتكاملت له العافية ظاهرا وباطنا . [ ذكرها ابن كثير في تفسيره 4 / 39 ، 40 ] وقال عنه سبحانه : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ . . ( 44 ) [ ص ] . ( 2 ) المواجيد : المقصود بها أعمال القلب التي إن استقامت استقامت الجوارح .