محمد متولي الشعراوي

6000

تفسير الشعراوى

لأن الموعوظ قد يقول في نفسه : لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعنى ، وأنت أعلى منى . فإذا قدّر الواعظ هذا الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه . ولنتذكر الحكمة التي تقول : « النصح ثقيل ، فلا تجعلوه جدلا ، ولا ترسلوه جبلا ، واستعيروا له خفّة البيان » ؛ وذلك لتستميل أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميل المقنع الممتع الذي يعجبه ، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه . والموعظة تختلف عن الوصية ؛ لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء ، وهب أن إنسانا مريضا وله أولاد ، وحضرته الوفاة ، فيقوم بكتابة وصيّته ، ويوصيهم بعيون « 1 » المسائل . والحق سبحانه يقول هنا : قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ . . ( 57 ) [ يونس ] والموعظة إما أن تسمعها أو ترفضها ، ولأنها موعظة قادمة مِنْ رَبِّكُمْ فلا بد من الالتفات والانتباه ، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب ، لا من الإله ؛ لأن الإله يريدك عابدا ، لكن الرب هو المربّى والكفيل ، وإن كفرت به . وهذه الموعظة قادمة من الرب ، أي : أنها من كمالات التربية ، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع ما بين قسمين : القسم الأول هو مقوّمات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قوت ورزق - وهذه المقومات للمؤمن ، وللكافر - والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة ، وهذه للمؤمن فقط .

--> ( 1 ) عيون المسائل : أي : أصولها ، والمهم منها ، وعين كل شئ : خياره . [ اللسان : مادة ( عين ) ] .