محمد متولي الشعراوي
5809
تفسير الشعراوى
سبحانه وتعالى منزّه عن خديعة عباده ، فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله بالغفلة ، لكن الذي ينبّه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما يقول ، يمكن الوصول إليه بالعقل . وقول الحق سبحانه في آخر الآية : أَ فَلا تَعْقِلُونَ يدلنا على أن القضية التي كذّبوا فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نشأت من عدم استعمال عقولهم ، فلو أنهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدمات المحسّة التي يؤمنون بها ويسلمون ؛ لانتهوا إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولو أنهم فكّروا وقالوا : محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة ، ولا تلاوة كتاب ولا جلوسا إلى معلّم ، ولم يغب عنا فترة ليتعلّم ، وظل مدة طويلة إلى سنّ الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان ؛ فمن أين جاءته هذه الدفعة القوية ؟ كان يجب أن يسألوه هو عنها : من أين جاءتك هذه ؟ وما دام قد قال لهم : إنها جاءته من عند اللّه ، فكان يجب أن يصدّقوه . ومهمة العقل دائما مأخوذة من اشتقاقه ، « فالعقل » « 1 » مأخوذ من « عقال » البعير . وعقال البعير هو الحبل الذي تربط به ساقى الجمل ؛ حتى لا ينهض ويقوم ؛ لنوفّر له حركته فيما نحب أن يتحرك فيه ، فبدلا من أن يسير هكذا بدون غرض ، وبدون قصد ، فنحن نربط ساقيه ؛ ليرتاح ولا يتحرك ، إلى أن نحتاجه في حركة . إذن : فالعقل إنما جاء ؛ ليحكم الملكات ؛ لأن كل ملكة لها نزوع إلى شئ ، فالعين لها ملكة أن ترى كل شئ ، فيقول لها العقل : لا داعى أن
--> ( 1 ) العقل : النّهى ، ضد الحمق ، وعقل يعقل فهو عاقل . قال ابن الأنباري : الرجل العاقل هو الجامع لأمره ورأيه ، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه ، وقيل : العاقل هو الذي يحبس نفسه ويردّها عن هواها . والعقل : التثبّت في الأمور .