محمد متولي الشعراوي
5928
تفسير الشعراوى
لأن الدنيا كلها أغيار ، فأنت قد تكون قويا ثم تضعف أو صحيحا فيصيبك المرض ، أو غنيا فتفتقر ، أو مبصرا فيضيع منك بصرك ، أو تكون صحيح الأذن سميعا فتصير أصم بعد ذلك « 1 » . إذن : فهي دنيا أغيار ، وهب أن إنسانا أخذ من دنياه كل نصيبه عافية وأمنا وسلامة وغنى وكل شئ ؛ سنجده في قلق من جهتين : الجهة الأولى أنه يخاف أن يفارقه كل هذا النعيم ، أو يخاف أن يترك هو هذا النعيم ، هذا ما نراه في حياتنا . إذن : فالدنيا بما فيها من أغيار لا أمان لها ؛ لنفهم أن كل عطاءات المخلوق إنما هي هبة من الخالق سبحانه وتعالى ؛ لأنها لو كانت من ذاتك لاستطعت الحفاظ عليها ، ولكنها هبات من الحق الأعلى سبحانه . والأمر الموهوب قد يصبح مسلوبا . ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك : وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ وقول الحق سبحانه : وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا . . ( 36 ) يفيد أن بعضهم كان يتبع يقينا ؛ لأن مقابل الظن « 2 » هو اليقين ، فالنسب التي تحدث
--> ( 1 ) ولأن الدنيا دنيا أغيار أوصى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا وهو يعظه : « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك » أخرجه الحاكم في مستدركه ( 4 / 306 ) وصححه على شرط الشيخين عن ابن عباس ، وأقره الذهبي . ( 2 ) الظن كما أنه شكّ فإنه أيضا يقين إلا أنه ليس بيقين عيان ، إنما هو يقين تدبّر ، فأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم ، وهو يكون اسما ومصدرا ، وجمع الظن : ظنون . قال تعالى : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . . ( 10 ) [ الأحزاب ] [ لسان العرب : مادة ( ظنن ) ] .