محمد متولي الشعراوي
5805
تفسير الشعراوى
وهنا يبلّغ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله : لقد عشت طوال عمرى معكم ، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر ، أو قوة أدب . فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين ، ورأيتم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يجلس إلى معلّم ، بل عندما اتهمتموه وقلتم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ . . ( 103 ) [ النحل ] وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ « 1 » إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ « 2 » وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) [ النحل ] ولم يخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من شبه الجزيرة العربية ، ولم يقرأ مؤلّفات أحد . فمن أين جاء القرآن إذن ؟ لقد جاء من اللّه سبحانه ، وعليكم أن تعقلوا ذلك ، ولا داعى للاتهام بأن القرآن من عند محمد ؛ لأنكم لم تجرّبوه خطيبا أو شاعرا ، بل كل ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد أن نزلت عليه الرسالة ، هو بلاغ من عند اللّه . وبطبيعة الحال لا يمكن أن ينسب الكمال إلى إنسان فينفيه ، فالعادة أن
--> ( 1 ) لحد في الدين وألحد والتحد : مال عنه ، وحاد ، وابتعد . والإلحاد : الجدال والمراء ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا . . ( 40 ) [ فصلت ] وقال تعالى : وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ . . ( 180 ) [ الأعراف ] . والإلحاد : الظلم والجور . قال تعالى : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . . ( 25 ) [ الحج ] . والإلحاد في اللغة : الميل عن القصد . وقوله : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ . . ( 103 ) [ النحل ] وأصل الإلحاد : الميل والعدول عن الشئ . والملتحد : الملجأ ؛ لأن اللاجىء يميل إليه . [ لسان العرب : مادة ( لحد ) - بتصرف ] . ( 2 ) عجم : العجم والعجم : خلاف العرب والعرب . ورجل عجمىّ وأعجمىّ : غير عربىّ . قال أبو إسحاق : الأعجم : الذي لا يفصح ولا يبيّن كلامه وإن كان عربيّا . والعجمي هو الذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح . قال تعالى : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) [ الشعراء ] .