محمد متولي الشعراوي

5159

تفسير الشعراوى

ولقائل أن يقول : ألم يكن من الجائز أن يعدوا كل شئ للقتال في آخر لحظة ؟ نقول : لا ، فالذاهب إلى القتال لا يمكن أن يستعد في آخر لحظة . بل لا بد أن يشغل نفسه بمقدمات الحرب من سلاح وزاد وراحلة وغير ذلك ، ولو لم يشغل نفسه بهذه المسائل قبل الخروج بفترة وتأكد من صلاحية سلاحه للقتال ؛ ووجود الطعام الذي سيحمله معه ؛ وغير ذلك ، لما استطاع أن يخرج مقاتلا . فليست المسألة بنت اللحظة ، بل كان عدم استعدادهم للقتال يعدّ كشفا للخميرة المبيّتة في أعماقهم بألا يخرجوا ، وسبحانه قد اطلع على نواياهم ، وما تخفى صدورهم ، وقد جازاهم بما أخفوا في أنفسهم . لذلك يقول : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ وسبحانه وتعالى لا يحتاج إلى أحد من خلقه ، بل الخلق هم الذين في احتياج دائم إليه سبحانه ؛ لذلك ثبط هؤلاء عن الخروج ، وكره سبحانه خروجهم للقتال ، و « ثبطهم » أي جعلهم في مكانهم ، ولم يقبل منهم أن يعدوا العدة للقتال كراهية منه سبحانه أن يخرجوا بنشاط إلى القتال . والكره : عملية وجدانية . والتثبيط : عملية نزوعية . وأضرب هذا المثل دائما - وللّه المثل الأعلى - أنت ترى الوردة ، فتدرك بعينيك جمالها ، فإن مددت يدك إليها لتقطفها ، هنا يتدخل الشرع ليقول لك : لا ؛ لأن هذا نزوع إلى ما لا تملك . وإن أردت أن تحوز وردة مثلها ، فإما أن تشتريها وإما أن تزرع مثلها ، إذن : فالمشرع يتدخل - فقط - في الأعمال النزوعية . وكراهية اللّه لنزوعهم تجلّت في تثبيطهم وخذلهم وردّهم عن الفعل ، وزيّن لهم في نفوسهم ألا يخرجوا للقتال مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ وذلك