محمد متولي الشعراوي
5156
تفسير الشعراوى
شيئا ما هو حقيقة ، وهو غير ذلك ولا واقع له . فإذا أنت على سبيل المثال قلت : إن الأرض مبسوطة ، ثم جاءوا لك بصورة الأرض كروية وأصررت على أنها مبسوطة ، فهذا جهل وإصرار عليه . وفرق بين الجاهل والأمى ، فالأمى الذي لم يكن يعرف أن الأرض كروية ، ثم علم حقيقة العلم وصدقها فهو متى عرف الواقع صدقه وآمن به . ولكن الجاهل يؤمن بما يخالف الواقع . فإن جئت له بالحقيقة أخذ يجادل فيها مصرا على رأيه . ولذلك نجد مصيبة الدنيا كلها ليست من الأميين ، ولكن من الجهلة لأن الأمى يحتاج إلى مجهود فكرى واحد ، أن تنقل له المعلومة فيصدقها ، أما الجاهل فإقناعه يقتضى مجهودين : الجهد الأول : أن تخرج ما في عقله من معلومات خاطئة ، وأوهام ليست موجودة في الواقع ، والجهد الثاني : أن تقنعه بالحقيقة . وإذا كان هناك واقع في الحياة تستطيع أن تدلل عليه فهذا هو العلم . فإن لم تستطع التدليل عليه فهذا هو التلقين ، والمثال : أننا حين نلقن الطفل الصغير أن اللّه أحد ، وهو لم يبلغ السن التي تستطيع عقليا أن تدلل له فيها على ذلك . ولكنك قلت له : إن اللّه أحد ، وجزم بها الطفل ، وهذه حقيقة واقعة ، ولكنه لا يستطيع أن يدلل عليها . وهو في هذه الحالة يقلد أباه أو أمه أو من لقنه هذا الكلام حتى ينضج عقله ويستطيع أن يدلل على ما اعتقده في صغره بالتلقين . إذن : فالعلم يقتضى أن تؤمن بقضية واقعة عليها دليل ، ولكن إن كنت لم تصل إلى مرحلة الجزم ؛ تكون في ذهنك نسبتان ؛ وليست نسبة واحدة . فإن لم ترجح نسبة على الأخرى ، فهذا هو الشك . وإن ظننت أنت أن إحداهما راجحة فهذا هو الظن ، فإن أخذت بالنسبة غير الراجحة فهذا هو الوهم .