محمد متولي الشعراوي
5174
تفسير الشعراوى
وكذلك يقول الحق : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) [ الشورى ] أي : من صبر على ما أصابه ، وغفر لغريمه وعدوه ، فالصبر والمغفرة من الأمور التي تحتاج إلى عزم وقوة حتى يطوّع الإنسان نفسه على العفو وعدم الانتقام . أما المصائب التي ليس للإنسان فيها غريم فهي لا تحتاج إلى ذلك الجهد من النفس ، وإنما تحتاج إلى صبر فقط ، إذ لا حيلة للإنسان فيها . ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا اللون من المصائب : وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) [ لقمان ] لأن العزم المطلوب هنا أقل ، ولذلك لم تستخدم « لام التوكيد » التي جاءت في قوله تعالى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) [ الشورى ] ولا بد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه عن المشاعر البشرية حين قال : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) [ آل عمران ] هذه الآية الكريمة تمثل مراحل ما يحدث في النفس ، فالمطلوب أولا أن يكظم الإنسان غيظه ، أي أن الغيظ موجود في القلب ، ويتجدد كلما رأى الإنسان غريمه أمامه ، ويحتاج هذا من الإنسان أن يكظم غيظه كلما رآه ، ثم يرتقى المؤمن في انفعاله الإيمانى ، فيأتي العفو ، وهذه مرحلة ثانية وهي أن يخرج الغيظ من قلبه ، ويحل بدلا منه العفو .