محمد متولي الشعراوي

3961

تفسير الشعراوى

كأنهم يصادمون إرادة الإيجاد من الحق سبحانه وتعالى ، لكنّه - سبحانه - لو شاء ما فعلوا ذلك ، فهو قد أعطاهم الاختيار ، ومن باب الاختيار ينفذون إلى كل مراد لهم ، ولو لم يخلق اللّه فيهم اختيارا ما فعلوا ذلك ؛ لأنه لو أراد ألا يضلوا لما فعلوا ، وقد أراد اللّه أن يوجد خلقا لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم الملائكة . إذن فهذه المسألة ليست عزيزة على اللّه ، وسبحانه ساعة يقهر على مراد له ، إنما يكون ذلك لمصلحة المخلوق ، وساعة يتركه مختارا فمن إمداد الخالق له بالاختيار ولا يفعل المختار شيئا غصبا عن اللّه ؛ لأن الألوهية تقتضى أمرين اثنين : تقتضى قدرة تتجلى في الأشياء القهرية التي لا يستطيع العباد أن يقفوا أمامها ، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي له حق الاختيار بين البديلات في مراداته ، أما بقية الكون فسائر بقانون التسخير وليس له اختيار . والكائنات المسخرة أثبتت للّه طلاقة القدرة ، ولكنها لا تثبت للّه محبوبية المخلوق ؛ لأن المحبوبية تنشأ من أنك تكون حرّا في أن تفعل ، ولكنك تؤثر فعلا مراد للّه على مرادك . ( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ) . و « الافتراء » هو الاختلاق والكذب المتعمد ، وهم مفترون ، لأنهم أرادوا أن يغيروا صدق الواقع في الإنجاب ، فقد خلق اللّه الزوجين - الذكر والأنثى - من أجل الإنجاب . ويقول سبحانه من بعد ذلك : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 138 ] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 )