محمد متولي الشعراوي
3941
تفسير الشعراوى
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ . . ( 128 ) [ سورة الأنعام ] و « استكثر » أي أخذ منه كثيرا ، كمن استكثر من جمع المال ، أو استكثر من الأصدقاء ؛ فمادة « استكثر » تدل على أنه أخذ كثرة . وماذا يعنى استكثارهم من الإنس ؟ . نحن نعلم أن من الجن طائعين ، ومنهم عاصون ، والأصل في العصيان في الجن « إبليس » الذي أقسم : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) [ سورة ص ] فكأن الحق يوضح : أنكم معشر الجن قد حاولتم جاهدين أن تأخذوا الإنس إلى جانبكم واستكثرتم بهم ، فبعد أن كان العاصون فقط من شياطين الجن وجد عصاة من الإنس أيضا ، واستكثرتم منهم ، بأن ظننتم أن لكم غلبة وكثرة وعزا ، لأنهم إذا أطاعوكم في الوسوسة أصبحت لكم السيادة ، وذلك ما كان يحدث ، فكان الإنسان إذا ما نزل واديا مثلا قال : أعوذ بسيد هذا الوادي - من الجن - ويطلب أن يحفظه ويحفظ متاعه ، وحينما يوسوس له شئ يسارع إلى تنفيذه ، وهذا استكثار . وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ . . ( 128 ) [ سورة الأنعام ] وكذلك لم يستمتع الجن والإنس فقط ، بل استمتع أيضا بالجن ، وهكذا نجد تبادل استمتاع من خلف منهج اللّه ، لهؤلاء إغواء وسيادة ، يأمرونهم بعمل الأشياء المخالفة لمنهج اللّه ، وهؤلاء يستمتعون بهم يحققون لهم شهواتهم في صورة تدين ، فيقولون لهم : اعبدوا الأصنام ، واعبدوا الشمس ، واعبدوا القمر ، فيفعلون . وذلك يرضى فيهم غريزة الانقياد التدينى ؛ لأن كل نفس مفطورة على أن ترتبط بقوة أعلى منها ؛ لأن الإنسان إذا نظر لنفسه وإلى قرنائه وجدهم أبناء أغيار ؛ الواحد منهم يكون اليوم صحيحا وغدا مريضا ، ويكون اليوم غنيا وغدا فقيرا ، فما الذي يضمن للنفس البشرية حماية من هذه الأغيار ؟ . إن الإنسان يحبّ أن يلجأ ويرتبط بقوىّ ؛ حتى إذا جاءت هذه الأغيار كانت