محمد متولي الشعراوي
4507
تفسير الشعراوى
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والثقل لا يكون ماديا فقط ، بل هو ثقل فكرى وعقلي أيضا ، مثال ذلك حين يقوم الطالب بحل تمرين هندسي أو تمرين في مادة الجبر ، فالطالب يشعر أحيانا أن مثل هذا التمرين ثقيل على فكره ، وصعب الحل في بعض الأحيان . وقد يكون الأمر ثقيلا على النفس في ملكاتها ، مثل الهم جاثم على الصدر وثقيل عليه ، وهو أقسى أنواع الثقل ، ولذلك فالشاعر القديم يقول : ليس بحمل ما أطاق الظهر * ما الحمل إلا ما وعاه الصدر إذن هناك ثلاثة أثقال : ثقل مادي ، وثقل فكرى ، وثقل نفسي . و ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ ، ونحن نعلم أن السماوات فيها الملائكة . ونعلم أن الملائكة أيضا لا تعرف ميعاد الساعة ، ولا يحاول معرفتها إلا الإنسان بشهوة الفكر ، أما الملائكة فهي ليست مكلفة لأنها لا اختيار لها ، وبعضها يخدم البشر ، وهم الملائكة الذين سجدوا لآدم وهم الموكلون بمصالحه ، وبحياته ، وقد رضخوا لأمر الحق بأن هناك سيدا جديدا للكون . فكونوا جميعا مسخرين في خدمته ، وهم الملائكة الحفظة الكرام الكاتبون ، ولهم إلف بالخلق ، إلف كاره للعاصي ، وإلف محب للطائع . ومن يسير على منهج اللّه من البشر يفرحون به . وإن وقع من الطائع زلة ، يأسون له ويتمنون ألا تقع منه زلة أخرى . ومن يسير ضد منهج اللّه يغضبون منه ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يرويه عنه أبو هريرة رضى اللّه عنه : « ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا » « 1 » ونعلم أن المنفق سيأخذ ثواب إنفاقه ، أما الممسك فإن تلف ماله وصبر عليه فهو أيضا ينال ثوابا عليه . وهكذا تدعو لنا الملائكة .
--> ( 1 ) رواه الدار قطني في سننه ،