محمد متولي الشعراوي

4487

تفسير الشعراوى

وأي أمة من أمم الأرض - إذن - هي التي تهدى بالحق ؟ لقد قال سبحانه في قوم موسى ! وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ( من الآية 159 سورة الأعراف ) ثم جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسول بعده ، لذلك تظل هذه الأمة المسلمة مأمونة على صيانة منهج الله إلى قيام الساعة . فإذا رأيت إلحادا انتشر فاعلم أن لله مددا ، وكلما زاد الناس في الإلحاد ، زاد الله في المدد ، وحتى إن صارت بلد مسلمة غارقة في الفسق فقد يكون فيها واحد يجمع كل هذه الصفات الكريمة الهادية إلى الحق لتبقى شريعة الله مصونة بالسلوكيين التابعين لمنهج الله . إذن فالحق سبحانه وتعالى ترك للفساد أن يصنع الشر ، ولسائل أن يسأل : ما لزوم هذا الشر في كون خلقه الله على هيئة محكمة ؟ نقول ! لولا أن الناس يضارون بالشر ؛ لما تنبهوا إلى حلاوة الخير ، ولو أن الإنسان لم يصب من أصحاب الباطل بسوء ؛ ما تحمس للحق أحد ، ولا عرف الناس ضرورة أن يتأصل الحق في الوجود ، فللشر - إذن - رسالته في الوجود . وهو أن يهيج إلى الخير ، فكما ذرأ الله لجهنم كثيرا من الجن والإنس ؛ أوضح سبحانه وتعالى في قوله : « وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ » في الحكم ، عدلا في القمة ؛ وهو ألا يشركوا بالله شيئا ، لأن أول مخالفة لقضية العدل هي مخالفة الشرك وهو ظلم عظيم ، فالشرك والعياذ بالله ينقل الأمر من مستحقه إلى غير مستحقه ، وكذلك تحريم ما أحل اللّه ، أو حل ما حرم الله ، وكل ذلك ظلم ، وكذلك عدم حفظ التوازن في الحقوق بين الناس ، فإن لم يحصن العدل بحفظ الحقوق بين الناس من حاكم وولى ومسلط ؛ سنجد كل إنسان وهو يضن بجهده في الحياة يكتفى بأن يصنع على قدر حاجته بحيث لا يترك للظالم أن يأخذ منه شيئا ، فلا يتحرك في الحياة إلا حركة محدودة ، ولا يعمل إلا بقدر ما يكفيه فقط ، فإذا ما حدث ذلك ؛ فلن يجد الضعاف الذين لا يقدرون على الحركة الإنتاجية أي فائض ليعيشوا به .