محمد متولي الشعراوي
4463
تفسير الشعراوى
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ إذن حين يضرب الله لنا مثلا من الأمثال الواقعية في هذا الرجل المسمى " ابن باعوراء " ، فسبحانه يعطينا واقعا لما حدث بالفعل . أي أن الذي يريد الله أن يرفعه بما علمه من منهج فانسلخ من دينه فهو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ، ولستم بدعا في هذا ، فالله يريد أن يرفعكم بمنهج السماء وأنتم تخلدون إلى الأرض ، وقد حدث هذا مع ابن باعوراء ، وكلمة " مثل " إذا سمعتها هي من مادة ال " م " وال " ث " وال " لام " ، وتنطق كما يأتي : إما أن تنطقها مثل « بكسر الميم وسكون الثاء » ، وإما أن تنطقها مثل « بفتح الميم والثاء » ، والمثل هو المشابه والنظير ، فتقول : فلان مثل فلان في الكرم ، في العلم ، في الطول ، في العرض ، وبذلك أعطيت تشبيه ما هو مجهول للمخاطب بما هو معلوم له . والحق سبحانه يقول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( من الآية 11 سورة الشورى ) أي لا أحد يشبهه في شيء ؛ لأنه منزّه في الذات والصفات والأفعال . وأيضا نقول : هذا مثل هذا ، أي أن فلانا المشبه به يكون أعلى منه فيما يشبهه به ، لكن الناس لا تعرف ذلك . وإن كان المشبه به ذائع الصيت ؛ بحيث يجرى اسمه على كل لسان ؛ فنحن نقول : إنّه مثل ؛ كقولنا عن الكريم : " هو حاتم " لأن شهرة حاتم في الكرم جعلته مثلا . والفرق أنك إذا قلت في فلان إنه يشبه حاتما في الكرم ، فقد تكون أول من يخبر عنه ، ولك أن تأتى بواحد له شهرة ذائعة الصيت على كل لسان ؛ فهذا مثل ، كأن تقول : مثل حاتم في الكرم ، أو مثل عنترة في الشجاعة . والمثل في الذكاء إياس ، لأن كل واحد منهم مشهور بصفة ، ولذلك لما مدح الشاعر « 1 » الخليفة « 2 » قال فيه :
--> ( 1 ) أبو تمام ( 2 ) أحمد بن المعتصم