محمد متولي الشعراوي
3927
تفسير الشعراوى
يقول بعض الصالحين : « اللهم إني أخاف ألا تثيبنى على طاعة ، لأنى أصبحت أشتهيها » كأنه عشق الطاعة بحيث لم يعد فيها مشقة أو تكليفا ، لذلك فهو خائف ، وكأنه قد فهم أنه لا بد أن توجد مشقة ، ولمثل هذا الإنسان الصالح نقول : لقد فقدت الإحساس بمشقة التكليف لأنك عشقته فألفت العبادة كما ألفتك وعشقتك ، وحدث الانجذاب بينك وبين الطاعة ، وجعلت رسول اللّه مثلا لك وقدوة ، فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يرى أنه إذا نودي إلى الصلاة يقوم الناس إليها كسالى لكنه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول لبلال حينما يأتي وقت الصلاة : « أرحنا بها يا بلال » . وهذا غير ما يقوله بعض ممن يؤدون الصلاة الآن حيث يقول الواحد منهم : هيا نصل لنزيحها من على ظهورنا ، وهؤلاء يؤدونها بالتكليف لا بالمحبة والعشق . أما الذين ألفوا الراحة بالصلاة حينما يحزبهم ويشتد عليهم أمر خارج عن نطاق أسبابهم ، يقول الواحد منهم : ما دامت الصلاة تريح القلب ، فلأذهب إليها وألقى ربى زائدا على أمر تكليفه لي متقربا إليه بالنوافل ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة . ومعنى حزبه أن الأسباب البشرية لا تنهض به . فيقوم إلى الصلاة ، وهذا أمر منطقي ، ولله المثل الأعلى . كان الإنسان منا وهو طفل إذا ما ضايقه أمر يذهب إلى أبيه ، فما بالنا إذا ما ضايقنا أمر فوق الأسباب المعطاة لنا من اللّه فلمن نروح ؟ إننا نلجأ لربنا ولقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة . إذن فعشق التكليف شئ يدل على أنك ذقت حلاوة الطاعة ، وقد يجوز أنه شاق عليك ؛ لأنه يخرجك أولا عما ألفت من الاعتياد . فعندما يأتيك أمر فيه مشقة تقول : إن هذه المشقة إنما يريدا بها لي حسن الجزاء ، فإذا ما عشقت الصلاة صارت حبّا لك ، وكان واحد من الصالحين - كما قلت - يخاف ألا يثاب على الصلاة لأنها أصبحت شهوة نفس ، والإنسان مطالب بأن يحارب نفسه في شهواتها لكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وضع لنا المثل فقال : « لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعا لما جئت به » أي يصبح ما يشتهيه موافقا لمنهج اللّه ، فإذا وصل وانتهى المؤمن إلى هذه المنزلة فهو نعم العبد السوى . وهكذا عرفنا أن الهداية قسمان : هداية بمعنى الدلالة ، وهداية بمعنى المعونة .