محمد متولي الشعراوي
4445
تفسير الشعراوى
لهم باللغة التي يفهمونها ، لأنه هو سبحانه الذي قال للسماء والأرض : ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( من الآية 11 من سورة فصلت ) ولقد تكلمت النملة وفهم سليمان كلامها ، ولو لم يعلم الله سليمان كيف يفهم كلامها لما عرفنا أنها تكلمت : قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ( من الآية 18 من سورة النمل ) إنها تفهم ما يفعله البشر حين يدوسون على كائنات صغيرة دون أن يروها ، ولكن سليمان نبي من أنبياء الله ، ولن يغتدى على خلق الله ، والنملة التي تكلمت كانت تحرس بقية النمل . وكذلك تكلم الهدهد ليخبر سيدنا سليمان عن مملكة سبأ وحالة بلقيس وقومها . إذن فالله عز وجل يخاطب جميع خلقه ، ويجيبه جميع خلقه ، فلا تقل : كيف خاطب المولى سبحانه الذر ، والذر لم يكن مكلفا بعد ؟ ولم يحاول العلماء أن يدخلوا في هذه المسألة ؛ لأنها في ظاهرها بعيدة عن العقل ، ويكفى أن ربنا الخالق القادر قد أبلغنا أنه قد خاطب الذرات قائلا : ألست بربكم ؟ . قالوا : بلى . ويبدو من هذا القول أن المسألة تمثيل للفطرة المودعة في النفس البشرية . وكأنه سبحانه قد أودع في النفس البشرية والذات الإنسانية فطرة تؤكد له أنّ وراء هذا الكون إلها خالقا قادرا مدبرا . وقديما قلنا : هب أنّ طائرة وقعت بك في صحراء ، وحين أفقت من إغماءة الخوف ؛ فكّرت في حالك وكيف أنك لا تجد طعاما أو شرابا أو أنيسا ، وأصابك غمّ من هذه الحالة فنمت ، ثم استيقظت فوجدت مائدة عليها أطايب الطعام والشراب ، ألا تتلفت لتسأل من الذي أقام لك هذه المأدبة قبل أن تمد يدك إلى أطايب الطعام ؟ . كذلك الإنسان الذي طرأ على هذا الكون الحكيم الصنع ؛ البديع