محمد متولي الشعراوي
4440
تفسير الشعراوى
أن نخرجه عما ألف وما يكره من الأساليب ، ولذلك قلنا : إن النصح ثقيل ، لأنك حين تنصح إنسانا فمعنى ذلك أنك افترضت أنك أفضل سلوكا منه ، وهو أقل منك في ذلك ، وهذا هو أول مطب ، وينظر لك المنصوح على أنك تفهم أحسن منه . ولهذا قالوا في الأثر : النصح ثقيل فلا ترسله جبلا ، ولا تجعله جدلا . وقيل أيضا : الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان . هكذا يكون التذكير ، وإن لم تستطع أن تمنع بالفعل فامنع بالقول ؛ لأن التغيير باليد يحتاج إلى سلطة المغيّر على المغيّر ، وهذا لا يأتي إلا بأن يكون للمغير مقدمة وسابقة مع المغيّر يثبت فيها المغيّر أنه يحب مصلحة المغيّر . وقد يكون ذلك واردا من غير أن تقول . كأن تكون أباه أو أمه ، والأب والأم يقومان برعاية الابن ، وتلبية احتياجاته طعاما ومشربا ومسكنا ومصروفا . وكل منهما هو المتولى لمصالح الابن . وإذا كان الناصح ليس له هذه الصلة بالمنصوح ، فعليه أن يتلطف له أولا بما يحب . فحين يطلب منك أمرا تقوم بإجابته إلى طلبه ، وتنبهه بعد ذلك إلى ما تريد أن تنصحه إنك قد قدمت له شيئا من المعروف فيتحمل منك النصح . ومثال آخر : افرض أن ابنك قد طلب منك أن تحضر له ساعة ، وبعد ذلك قالت لك أمه : إنه لم يستذكر دروسه حتى الآن . ثم تأتى له بالساعة وتقول له : يا ولد أنت أردت منى ساعة وأحضرتها لك ، وتناولها له وتقول : إن أمك قالت لي إنك غير مهتم بدروسك ، ولو تذكرت قولها لما أحضرت لك الساعة . وقد توجه له توبيخا فيضحك لأنك قد حننت قلبه ، وبينت له أنك تحبه فيقبل النصح ، حتى ولو صفعته قد يقبل لأنه يعلم أنك تحب مصلحته . إذن للتذكير ألوان متعددة : عظة بالقول ، وتغيير بالفعل وإنكار بالقلب . وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ والأصل في التقوى أن تتقى شيئا بشئ ؛ تتقى مؤلما بجعل وقاية بينك وبينه ، وهي تأتى كما علمنا في المتقابلات ؛ فالحق سبحانه يقول : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 131 ) ( سورة آل عمران )