محمد متولي الشعراوي

4418

تفسير الشعراوى

( ويسوم ) من مادتها سام ، ونسمعها في البهائم ونسميها السائمة وهي التي تطلب مقومات حياتها ، وليس صاحبها هو الذي يجهز لها مقومات حياتها . أما البهائم التي تربط وليست سائمة فهي التي تجد من يجهز لها طعامها ، إذن أصل « سام » أي طلب ، وبهيمة سائمة أي تطلب رزقها وأكلها بنفسها . و « سام » أيضا أي طلب العذاب . ولا يطلب أحد العذاب إلا أن يكون قد أفرغ قوته في التعذيب . فيطلب ممن يقدر على العذاب أن يعذب ، أي أن اللّه يسلط ويبعث عليهم من يقوم بتعذيبهم جهد طاقته ، فإذا فترت طاقته أو ضعفت فإنه يستعين على تعذيبهم بغيره . إذن فطلب العذاب معناه أنّه : عذّب هو ، ولم يكتف بأنه عذّب بل طلب لهم عذابا آخر ، و « يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ » أي العذاب السئ الشديد . ويذيل الحق الآية بقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( من الآية 167 سورة الأعراف ) ومعنى سرعة الشئ أن تأخذ زمنا أقل مما يتوقع له ؛ لأن السرعة هي اختصار الزمن . « لَسَرِيعُ الْعِقابِ » هي للدنيا وللآخرة ، فساعة يقترفون ذنبا . يسلط عليهم من يعذبهم في الدنيا ، أما الآخرة ففيها سرعة عالية ؛ لأن مسافة كل إنسان إلى العذاب ليست هي عمر الدنيا ، فالإنسان بمجرد أن يموت تنتهى الدنيا بالنسبة له . والرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته » « 1 » . إن هناك سرعة لحساب الآخرة . وحتى لو افترضنا أننا سنبقى جميعا دون حساب إلى أن تنتهى الدنيا ، فإن الحساب سيكون سريعا لأن كل لحظة تمر على أي إنسان تقربه من العقاب ، وحتى لو كان عمر الدنيا مليون سنة ، فكل يوم يمر سينقص من عمر الدنيا .

--> ( 1 ) رواه الديلمي عن أنس مرفوعا .