محمد متولي الشعراوي
4412
تفسير الشعراوى
ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ( 20 ) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ( من الآيتين 20 ، 21 سورة النمل ) هكذا نرى الفارق بين العذاب وبين الموت . وهنا يقول الحق : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ و « عتوا » تعنى أبوا وعصوا واستكبروا فحق عليهم عذاب اللّه الذي أوضحه قول الحق : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ . لأن « العتو » كبرياء وإباء ؛ فيعاقبهم اللّه بأن جعلهم كأخس الحيوانات ، فصيرهم أشباه القرود ، كل منهم مفضوح السوءة ، يسخر الناس منهم ويستهزئون بهم . فهل انقلبوا قردة ؟ . نعم ؛ لأنك حين تأمر إنسانا بفعل . . ألا تقدّر قبل الأمر له بالفعل أنه صالح أن يفعل وألا يفعل ؟ . وحين يقول اللّه : كُونُوا قِرَدَةً فهل في مكنتهم أن يصنعوا من أنفسهم قردة ؟ . ونقول : إن هذا اسمه « أمر تسخيرى » أي أصبحوا وصيّروا قردة . وقد رأوهم على هذه الهيئة من وعظوهم ، وهي هنا مقولة « خبر » نصدقه بتوثيق من قاله ، وكان هذا الخبر واقعا لمن شاهده . ولذلك نجد المعجزات التي حدثت لسيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير القرآن الذي وصلنا ككتاب منهج ومعجزة وسيظل كذلك إلى قيام الساعة ، لكن ألم ينبع الماء من بين أصابعه صلى اللّه عليه وسلم ؟ لقد حدث ذلك وغيره من المعجزات وشاهده أصحابه صلى اللّه عليه وسلم ، وأخبرونا بالخبر ، وكان ذلك آية تثبّت يقينهم وإيمانهم . وتثبت لنا خبرا ، فإن اتسع لها ذهنك فأهلا وسهلا ، وإن لم يتسع لها فلا توقف إيمانك ؛ لأنها آية لم تأت من أجلك أنت ، وكل معجزة كونية حدثت لرسول اللّه فالمراد بها من شاهدها ، ووصلتك أنت كخبر ، إن وثقت بالخبر صدقته ، وإن لم تثق به ووقفت عنده فلن ينقص إيمانك . غير أنه يجب على من وصل إليه الخبر بطريق مقطوع به ، أن يصدق ويذعن . وقد أخبر الحق هنا بالأمر بقوله : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ بأنه أوقع عليهم عذابا بأن جعلهم قردة خاسئين ، فهذا عقاب للذين عتوا عمّا نهوا عنه . والذين وعظوهم أو عاصروهم هم من شاهدوا وقوع العذاب .