محمد متولي الشعراوي
4408
تفسير الشعراوى
ورفض كذلك أن يعمل حتى جاء اليوم التالي . وشاء الحق سبحانه أن يؤدبهم حينما ارتكبوا أشياء مخالفة للمنهج ، وسلب منهم وقتا للعمل وقال : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ( من الآية 160 سورة النساء ) وفي هذه مثل وعبر لأي منحرف ، ولكل منحرف نقول : إياك أن تظن أنك بانحرافك عن منهج اللّه ستأخذ أشياء من وراء ربنا وتسرقها ، لا ؛ لأن ربنا قادر أن يبتليه بعقاب يفوق ما أخذ آلاف المرات ، فالمرتشى مثلا يفتح له اللّه أبوابا من الأمراض ومن العلل ومن المصائب فيضيع عليه كل شئ أخذه . إذن فقد استحل بنو إسرائيل أشياء محرمة ، فابتلاهم اللّه بأن يحرمهم من أشياء كانت حلالا لهم . وهكذا نرى أن ما وقع عليهم من عقاب كان بظلمهم لأنفسهم ؛ لأنهم انشغلوا بالدنيا وبالمادة ، فحرم عليهم العمل في يوم السبت ، وهؤلاء الذين كانوا يقيمون قريبا من حاضرة البحر يبتليهم اللّه البلاء العظيم ، ويرون السمك في المياه وهو يرفع زعانفه كشراع المركب ، وتطل عليهم أشرعة الحيتان وهم في بيوتهم ، وهذا ابتلاء من ربهم لهم وعقاب ؛ لأنهم ممنوعون من صيده ، ويرون هذا السمك أمامهم في يوم السبت ، لكن في بقية الأيام التي يباح فيها العمل ، كيوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لا تظهر لهم ولا سمكة واحدة : وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ . وهنا قالوا : ما دام ربنا قد حرم علينا أن نصطاد يوم السبت فعلينا أن نحتال . وصنعوا كيسا من السلك المضفر والذي نسميه « الجوبية » وهم أول من صنعوا هذه الجوبية بشكل خاص ، ويدخل السمك فيها ولا يستطيع الخروج منها ، فيأتي السمك يوم السبت ويدخل في الجوبية ويستخرجونه يوم الأحد . وفي هذا اعتداء . أو يصنعون حوضا له مدخل وليس له مخرج وفي هذا مكر . وتمكر لهم السماء بحيلة أشد . لقد أراد اللّه ابتلاءهم لأنهم فسقوا عن المنهج . وخرجوا عن الطاعة ، واستحلوا أشياء حرمها اللّه ؛ لذلك يحرم اللّه عليهم أشياء أحلها لغيرهم .