محمد متولي الشعراوي

4358

تفسير الشعراوى

فمن زرع وأحسن اختيار البذور ، واختيار التربة وروى بنظام يأتي له الزرع بالثمر لأنه أخذ بالأسباب ، وهذا اسمه عطاء الربوبية وهو عطاء عام لكل من خلق اللّه ، مؤمنا كان أو كافرا ، عاصيّا أو طائعا ، لكن عطاء الألوهية يكون في اتباع المنهج ب « افعل ولا تفعل » وهذا خاص بالمؤمنين ، فإذا ما أحسنوا استعمال أسباب الحياة في السنن الكونية . يأخذون حظهم منها ، والكافرون أيضا يأخذون حظهم منها إذا أحسنوا الأخذ بالأسباب ؛ ويكون ذلك بتخليد الذكرى وإقامة التماثيل لهم . وأخذ المكافآت والجوائز وحفلات التكريم . أما جزاء الآخرة فيأخذه من عمل لرب الآخرة ، أما من لم يفعلوا من أجل لقاء اللّه فهو سبحانه يقول في حقهم : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) ( سورة الفرقان ) وكذلك يقول : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ( من الآية 39 سورة النور ) فالكافرون مثلهم مثل الظمئان الذي يسير في صحراء ويخيل له أن أمامه ماء ، ويمشى ويمشى فلا يجد ماء . أما غير الظمآن فلا يهمه إن كان هناك ماء أو لا يوجد ماء ، فالظمآن ساعة يرى السراب يمنى نفسه بأن المياه قادمة وأنه سيحصل عليها . كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ( من الآية 39 سورة النور ) وليس المهم أنه لم يجده شيئا . بل يفاجأ : وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ . إنه يفاجأ بأن الإله الذي كان لا يصدق بأنه موجود يجده أمامه يوم القيامة فيوفيه حسابه ويجزيه على عمله القبيح . إذن فإن عمل الإنسان عملا فلينتظر الأجر ممن عمل له ، وإن عمل الإنسان عملا وليس في باله اللّه فعليه ألّا يتوقع الأجر منه ، وعلى الرغم من ذلك يعطى اللّه لهؤلاء الأجر في قانون نواميس الحياة الكونية ؛ لأن من يحسن عملا يأخذ جزاءه عنه .