محمد متولي الشعراوي

4355

تفسير الشعراوى

إذن وجه الصرف أن يسلط الحق عليه من الكبر ما يجعله غير قادر على وزن الآية بالميزان الصحيح لها ، والمتكبر هو من ظن أن غيره أدنى منه وأقل منزلة ، ومقومات الكبر قد تكون قوة ، لكن ألم ير المتكبر قويّا قد ضعف ؟ وقد يكون الثراء من مقومات التكبر ، لكن ألم ير المتكبر غنيّا قد افتقر ؟ أو يكون المتكبر صاحب جاه ، ألم ير المتكبر ذا جاه صار ذليلا ؟ . إذن فمن يتكبر ، عليه أن يتكبر بشئ ذاتي لا يسلب منه أبدا . فإذا ما أردت أن تطبق هذا على البشر فلن تجد واحدا يستحق أن يكون متكبرا أبدا ؛ لأنه لا يوجد في الإنسان خاصية ذاتية فيه تلازمه ولا تفارقه أبدا ، بل كلها موهوبة ، ومن الأغيار التي تحدث وقد تزول . فكلها من اللّه وليست أمورا ذاتية ؛ لأن القوة فيك إن كانت ذاتية فحافظ عليها ، ولن تستطيع . وإن كان الثراء ذاتيّا فحافظ على غناك أبدا ، ولن تستطيع . وإن كانت العزة ذاتية فحافظ على عزتك أبدا ولن تستطيع . إذن فمقومات الكبرياء في البشر غير ذاتية . وقوله سبحانه : يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يفيد أن هناك كبرياء بحق لمن يملك في ذاته كل عناصر القوة والثراء والجاه والعزة ، ولذلك فالكبرياء للّه وحده . واعلموا أن كل متكبر في الأرض لا يخطر اللّه بباله ؛ لأنه لو خطر اللّه بكماله وجلاله في باله لتضاءل ؛ لأن اللّه يخطر فقط ببال المتواضعين من الناس ، ولذلك نضرب هذا المثل : إننا نجد من حولنا إنسانا هو الرئيس الأعلى ، وهناك رئيس لطائفة ومرؤوس لآخر ، وهناك مرؤوس فقط . والرئيس المرؤوس لا يستطيع أن يجلس مع المرؤوسين له بتكبر ويضع ساقا على ساق ويعطى أوامر ؛ لأنه قد يلتفت فيجد رئيسه وقد دخل عليه . فلو فعل الرئيس المرؤوس ذلك لضحك منه المرؤوسون له . فكذلك الناس الذين لا يستحضرون اللّه في بالهم نجدهم مثار سخرية ، لكن الذين يستحضرون اللّه الذي له الكبرياء في السماوات والأرض لا يتكبرون أبدا . إنه سبحانه يصرف عن المتكبرين النظر في الآيات الكونية فلا يعتبرون ، ويصرف عنهم تصديق الآيات الدالة على نبوة الأنبياء ، ويصرف عنهم القدرة على تصديق أحكام القرآن ، ويطبع على قلوبهم ، فما بداخل هذه القلوب من الكفر