محمد متولي الشعراوي
4352
تفسير الشعراوى
ولكن من منا يتصف بالدقة في الموازين النفسية حتى يستطيع أن يعرف المثلية بالهوى ؟ فإن كان هناك من صفعك وتريد أن ترد الصفعة ، فمن أين لك أن تقدر حجم الألم الذي في صفعتك له ؟ . لا يمكن لك أن تحدد هذا القدر من الألم ؛ لأن هذه مسألة تتناسب مع القوة . إذن لماذا تدخل نفسك في متاهات ، ولماذا لا تعفو وينتهى الأمر ؟ وحين يدلك الحق على أن العفو أحسن ، إنما يريد بذلك أن ينهى شراسة النفوس وضغن الصدور . فحين يقتل إنسان إنسانا آخر ؛ سيكون هناك قصاص ودم ، ولكن إذا عفا ولىّ الدم تكون حياة المعفو عنه هبة من ولىّ الدم فيستحى القاتل - بعد ذلك - أن يجعل أية حركة من حركات هذه الحياة ضد ولىّ الدم أو من ينسب إلى ولىّ الدم ، وحينذاك تنتهى أي ضغينة أو رغبة في الثأر ، ولذلك نجد البلاد التي تحدث فيها الثأرات وتستشرى فيها عادة الأخذ بالثأر - مثل صعيد مصر - نجد القاتل إذا ما أخذ كفنه على يده ودخل على ولىّ الدم وقال له : أنا جئت إليك . . يعفو عنه ولىّ الدم وتفهم العائلة كلها أن حياة المطلوب للثأر صارت هبة من ولىّ الدم ، وتصفى الثأرات وتنتهى . ولذلك جاء الأمر من الحق بالأخذ بالأحسن : وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها . ومثال آخر على الأخذ بالأحسن ، قد نجد مدينا غير قادر أن يوفى الدين ، هنا نجد الحق يقول : فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ ( من الآية 280 سورة البقرة ) اقترض الرجل لأنه محتاج ؛ لأن القرض لا يكون إلا عن حاجة ، وهو عكس السؤال الذي قد يكون عن حاجة أو عن غير حاجة ، ولهذا نجد ثواب القرض أكثر من ثواب الصدقة ؛ لأن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة ، ولأن المتصدق حين يتصدق بشئ من ماله يكون قد أخرج هذا المال من نفسه ولم يعد يتعلق به . لكن القرض تتعلق به النفس ، فكلما صبر المقرض مع تعلق نفسه بماله أخذ أجرا ، وهكذا يكون القرض أحسن من الصدقة . إذن فهناك حسن وهناك أحسن ، الحسن هو أن تأخذ حقك المشروع ، والأحسن أن تتنازل عنه ، ومن يتنازلون هم الفاهمون عن اللّه فهما واسعا ، ولنا