محمد متولي الشعراوي
4348
تفسير الشعراوى
ونحن نعرف الألواح ، وكنا نكتب عليها قديما . وللكتابة على الألواح سبب ، فقديما كانوا يكتبون على أي شئ مبسوط ، وتبين لنا الآثار أن هناك كتبا مكتوبة على جلود الحيوانات ، مثلا نجد قدماء المصريين قد كتبوا على الأحجار ، مثل حجر رشيد الذي أتاح لنا معرفة تاريخهم . وكان العرب يكتبون على القحف المأخوذ من النخل ، وكذلك كتبوا على عظام الذبائح ، أخذوا منها قطعة العظم المبسوطة مثل عظم اللوح وكتبوا عليها ، وكانت هذه الوسيلة مشهورة جدّا لديهم ، وصار كل مكتوب عليه يسمونه لوحا . وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ( من الآية 145 سورة الأعراف ) وقوله سبحانه : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يعنى : من كل شئ تتطلبه خلافة الإنسان في الأرض في الوقت المناسب له ؛ فالرسل تأتى بعقيدة ، لكن قد يأتي تشريع مناسب للفترة الزمنية التي جاء فيها الرسول ، ويضيف اللّه لرسول آخر يأتي من بعده ، إلى أن جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم بالمنهج المكتمل إلى قيام الساعة . لقد أوضح سبحانه أنه كتب في الألواح الموعظة والتفصيل لمنهج الحياة ، والموعظة تعنى ألّا تنشىء حكما للسامع ، بل تعظه بتنفيذ ما علم له من قبل ، ولذلك يقال : واعظ وهو الذي لا ينشئ مسائل جديدة . بل يعرف أن المستمع يعلم أركان الدين ويعظه بما يعلم . وقوله الحق سبحانه : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي أن الكلام لم يأت مجملا ، بل يأتي بالتفصيل ، ويأمر الحق موسى أن يقبل على الموعظة والتفصيلات التي في الألواح بقوة . ولماذا جاء الأمر هنا بأن يأخذها بقوة ؟ لأن الإنسان حين يؤمر أمرا قد يكون الأمر مخالفا لرتابة ما ألف ، وحين ينهى نهيا قد يكون هذا النهى مخالفا لرتابة ما ألف . وبذلك ينزع هذا النهى أو ذلك الأمر الإنسان مما ألف ، ويأخذه ويخرجه عما اعتاد . إن الإنسان في هذه الحالة يحتاج إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة الرتيبة التي