محمد متولي الشعراوي

4346

تفسير الشعراوى

فيه دقة الأداء لأنه لو قال اصطفيتك فقط ، ولم يقل على الناس ، فقد يفهم الاصطفاء على الملائكة أيضا . ولكن الاصطفاء هنا محدد في دائرة الاصطفاء البشرى : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي . ولقائل أن يقول : إن الحق اصطفى غيره أيضا من الرسل ، والحق هو القائل : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً ( من الآية 33 سورة آل عمران ) ونقول : هناك فرق بين اصطفاء رسالة منفردة ، وبين اصطفاء في رسالة ومعها شئ زائد ، وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - فإذا جئت كمدرس لتلاميذ وأعطيت واحدا منهم هدية عبارة عن قلم كمكافأة ، ثم أعطيت الثاني قلما وزجاجة حبر ، أنت بذلك اصطفيت التلميذ الأول بهدية القلم ، واصطفيت الآخر باجتماع قلم وزجاجة حبر في هدية واحدة . والاصطفاء هنا لموسى بالرسالة كما اصطفى غيره من الرسل بالإضافة إلى شرف الكلام : اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي . وعرفنا من قبل أن « رسالاتى » هي في مجموعها رسالة واحدة ، ولكن الرسالة مع سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم استمرت جزئياتها ثلاثا وعشرين سنة في النزول ، فكأن كل نجم رسالة ، أو كل باب من أبواب الخير رسالة ، فهي رسالات متعددة ، أو أن رسالته جمعت رسالات السابقين : قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) ( سورة الأعراف ) أي لا تنظر إلى ما منعتك ، بل اذكر أنى اصطفيتك وكلمتك وعليك أن تشكر لي هذا . ولذلك يجب على الإنسان المؤمن حين يتلقى قضاء اللّه فيه أن ينظر دائما إلى ما بقي له من النعم . لا إلى ما سلب عنه من النعم . ولذلك نجد المؤمن المتفائل ينظر إلى الكوب الذي نصفه مملوء بالماء فيقول : الحمد للّه نصف الكوب ملآن . أما المتشائم فيقول : إن نصف الكوب فارغ ، وبرغم أن كلّا منهما