محمد متولي الشعراوي
4325
تفسير الشعراوى
فرعون وقومه فيأتوا وراءكم ليلحقوا بكم ، فإذا ما دخلوا واستوعبهم اليابس ؛ أعدنا سيولة الماء واستطراقه فيغرقون ؛ ليثبت الحق أنه ينجى ويهلك بالشئ الواحد ، وكل ذلك يجمله الحق هنا في قوله : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ . و « اليم » هو المكان الذي يوجد به مياه عميقة ، ويطلق مرة على المالح ، ومرة على العذب ، فمثلا في قصة أم موسى ، يقول الحق : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ( من الآية 7 سورة القصص ) وكان المقصود بأليم هناك النيل ، لكن المقصود به هنا في سورة الأعراف هو البحر . ويأتي سبب الإغراق في قوله : بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ . كيف إذن يعذبهم ويغرقهم نتيجة الغفلة ، ونعلم أن الغفلة ليس عليها حساب ؟ بدليل أن الصائم قد يغفل ويأكل ويصح صيامه . ويقال إن ربنا أعطى له وجبة تغذيه بالطعام وحسب له الصيام لأنه غافل . لكن هنا يختلف أمر الغفلة ؛ فالمراد ب « غافلين » هنا أنهم كانوا قد كذبوا بآيات اللّه ثم أعرضوا إعراضا لا يكون إلا عن غافل عن اللّه وعن منهجه ، ولو أنهم كانوا عبادا مستحضرين لمنهج اللّه لما صح أن يغفلوا ، وهذا القول يحقق ما سبق أن قاله سبحانه : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ( من الآية 129 سورة الأعراف ) ثم يأتي بعد ذلك القول الذي يحقق ما سبق أن قاله سبحانه : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( من الآية 129 سورة الأعراف ) ويقول الحق تأكيدا لذلك : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 137 ] وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ( 137 )