محمد متولي الشعراوي
4281
تفسير الشعراوى
بأي سبب في أي زمان أو في أي مكان ، وهكذا يأتي الإبهام هنا لكي يعطينا الصور المتكاملة ، وقال بعض المستشرقين : إن المسلمين يستقبلون القرآن بالرهبة وبالانبهار . ولا يحركون عقولهم لكي يروا المتناقضات فيه ، لكن غير المسلم إن قرأ القرآن يتبين فيه أشياء مختلفة كثيرة ، قالوا بالنص : « أنتم تعلمون بقضايا اللغة أن التشبيه إنما يأتي لتلحق مجهولا بمعلوم » ، فيقال : أنت تعرف فلانا ، فتقول : لا واللّه لا أعرفه . فيقول لك : هو شكل فلان ؛ في الطول ، وفي العرض ، وفي الشكل ، إذن فقد ألحق مجهولا بمعلوم ليوضحه . فكيف يلحق القرآن مجهولا بمجهول ، إن هذا لا يعطى صورة مثلما تكلم القرآن عن شجرة الزقوم فقال : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) ( سورة الصافات ) فكيف توجد شجرة في الجحيم ، إنها أشياء متناقضة ؛ لأن الشجرة فيها خضرة ، وتحتاج إلى رى ، ومائية ، والجحيم نار وجفاف ، ثم إن الشيطان غير معلوم الصورة للبشر ، وشجرة الزقوم غير معلومة لأنها ستأتي في الآخرة ، فكيف يشبّه اللّه مجهولا بمجهول . واستخدم المستشرقون ذلك كدليل على أن المسلمين يأخذون القرآن بانبهار ولا يبحثون فيه ، ونرد عليهم : أنتم لا تعلمون لغة العرب كملكة ، بل عرفتموها صناعة ، ولم تتفهموا حقيقة أن القرآن جاء على لغة العرب . وقد تخيلت لغة العرب أشياء رأت فيها البشاعة والقبح ؛ كأن قالوا : « ومسنونة زرق كأنياب أغوال » ، والغول كائن غير موجود ، لكنهم تخيلوا الغول المخيف وأن له أنيابا . . . إلخ . إذن التشبيه قد يكون للأمر المتخيّل في أذهان الناس ، والأصل في التشبيه أن يلحق مجهولا ليعلم ، وشجرة الزقوم لا نعرفها ، ورؤوس الشياطين لم نرها ، وهكذا ألحق اللّه مجهولا بمجهول ، ولماذا لم يأت بها في صورة معلومة ؟ . لأنه - سبحانه - يريد أن يشيع البيان ، ويعمم الفائدة ويرببها ؛ لأن الإخافة تتطلب مخيفا ، والمخيف يختلف باختلاف الرائين ، فقد يوجد شئ يخيفك ، ولكنه لا يخيف غيرك ، وقد تستقبح أنت شيئا ، ولكن غيرك لا يستقبحه ، ولذلك ضربنا - سابقا - مثلا . وقلنا : لو أننا أحضرنا مجموعة من كبار رسامى الكاريكاتور في