محمد متولي الشعراوي

4270

تفسير الشعراوى

كان موجودا ثم انطمر ثم بعثه الحق من جديد ، والإيمان يتمثل في عهد لفطرة الأول الذي كان من آدم ؛ لأن اللّه خلقه بيديه خلقا مباشرا وكلفه تكليفا مباشرا ، فنقل آدم الصورة للذرية ، وهذه الصورة الأصلية هي التي تضم حقائق الإيمان التي كانت لآدم ، وحين يبعث اللّه رسولا جديدا ، فهو لا ينشئ عقيدة جديدة ، بل يحيى ما كان موجودا وانطمر ، وحين يطم الفساد يبعث اللّه الرسول ، فكأن الحق سبحانه وتعالى حينما كلف آدم التكليف الأول طلب منه أن ينقل هذا التكليف إلى ذريته ، ولو أن الإنسان أخذ تكاليف الدين كما أخذ مقومات الحياة ممن سبقه لظل الإيمان مسألة رتيبة في البشر . إننا نأخذ الأشياء التي أورثها لنا أجدادنا وتنفعنا في أمور الدنيا نحتفظ بها ونحرص عليها ، فلماذا لم نأخذ الدين منهم ؟ لأن الدين يحجر على حرية الحركة ويضعها في إطارها الصحيح . والإنسان يريد أن ينفلت من تقييد حرية الحركة ، وحين يقول ربنا مرة إنه : « أرسل » الرسل ، ومرة أخرى إنه قد بعثهم ، فهذا يدل على أنه لم يجئ بشئ جديد ، ولكنه جاء بشئ كان المفروض أن يظل فيكم كما ظلت فيكم الأشياء التي ورّثها لكم أسلافكم وتنتفعون بها ؛ مثال ذلك : نحن ننتفع برغيف الخبز وننتفع بخياطة الإبرة فلماذا انتفعنا بهذه الأشياء المادية ونسينا الأشياء المنهجية ؟ لأن الأشياء المادية قد تعين الإنسان على شهواته ، أما قيم الدين فهي تحارب الشهوات . ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ( من الآية 103 سورة الأعراف ) والآيات - كما نعلم - جمع آية ، وهي الأمر العجيب الذي يقف العقل عنده مشدوها . وتطلق الآيات ثلاث إطلاقات ؛ فهي تطلق على الآيات القرآنية لأنها عجيبة أسلوبيّا معبرة عن كل كمال يوجد في الوجود إلى أن تقوم الساعة ، وكل قارىء لها يأخذ منها على قدر ذهنه وقدر فهمه . والآيات الكونية موجودة في خلق الأرض والسماء وغير ذلك ، وكذلك تطلق الآيات على المعجزات الدالة على صدق الأنبياء . والبعث يقتضى مبعوثا وهو موسى ، ويقتضى باعثا وهو اللّه ، ومبعوثا إليهم . وهم قوم فرعون ، ومبعوثا به وهو المنهج .

--> راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر .