محمد متولي الشعراوي

4241

تفسير الشعراوى

إنهم يبغون ويودون شريعة اللّه معوجة ومائلة وزائغة عن الاستقامة ، أو تصفونها بأنها غير مستقيمة لتصدوا الناس عن الدخول فيها ، ولتنفروا منها ، مثال ذلك السخرية من تحريم الخمر والادعاء بأنها تعطى النفس السرور والانسجام . إن الواحد من هؤلاء إنما ينفر من شريعة اللّه ، ويدعى أنها شريعة معوجة ، فنجد من يحلل الربا ؛ لأن تحريم الربا في رأيهم السقيم المنحرف يضيق على الناس فرصهم . إنهم يبغون شريعة اللّه معوجة ليستفيدوا هم من اعوجاجها ، وينفروا الناس منها . وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( من الآية 86 سورة الأعراف ) نعلم أن كل ردع ، وكل توجيه يهدف إلى أمرين اثنين : ترغيب وترهيب ، وعلى سبيل المثال نجد المدرس يقول للتلاميذ : من يجتهد فسنعطيه جائزة ، وهذا ترغيب ، ويضيف الأستاذ قائلا للتلاميذ : ومن يقصر في دروسه فسنفصله من المدرسة ؛ وهذا ترهيب . وما دام الناس صالحين لعمل الخير ولعمل الشر بحكم الاختيار المخلوق فيهم اللّه فلا بد من مواجهتهم بالأمرين بالترغيب في الخير والترهيب من الشر . والحق هنا يقول في الترغيب : وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ . وكأنه يطالبهم بأن يكونوا أصحاب ذوق وأدب ، فنحن نعلم أن مدين تزوج وأنجب عددا من الذرية وكانوا قلة في العدد فكثرهم حتى صاروا قبيلة ، وكانوا ضعافا فقواهم ، وكانوا فقراء فأغناهم ، فمن صنع فيكم ولكم كل هذه المسائل ألا يصح أن تطيعوا أوامره . كان عليكم أن تطيعوا أوامره . وهذا ترغيب وتحنين . ونعلم أن شعيبا هو خامس نبي جاء بعد نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط . لذلك يذكرهم الحق بما حدث لمن كذبوا الأنبياء الأربعة السابقين . وقد يكون قوم نوح معذورين لأنهم كانوا البداية ، فلم يسبقهم من أخذ بالعذاب لتكذيب رسلهم ، ثم صارت من بعد ذلك قاعدة هي أن من يكذب الرسل يلقى العذاب ، مصداقا لقوله الحق :