محمد متولي الشعراوي
4201
تفسير الشعراوى
الذي لا ينتفع بطاعتنا أو بعبادتنا ، ولا تعود عليه العبادة بشئ ، بل تعود علينا ، والعبادة فيها مشقات لأنها تلجم الشهوات وتعقل وتمنع من المعاصي والمحرمات ، ولكن يقابل ذلك الثواب في الآخرة . وهناك من قال : ولماذا لا يعطينا الثواب بدون متاعب التكليف ؟ ما دام لا يستفيد . إنّ العقل كاف ليدلنا - دون منهج - إلى ما هو حسن فنفعله ، وما نراه سيئا فلا نفعله ، والذي لا نعرفه أهو حسن أم سيىء . ونضطر له نفعله ، وإن لم نكن في حاجة له لا نفعله . ونقول لهذا القائل : لكن من الذي أخبرك أن العقل كاف ليدنا إلى الأمر الحسن ، هل حسّن لك وحدك أم لك وللآخرين ؟ فقد يكون الحسن بالنسبة لك هو السوء بالنسبة لغيرك لأنك لست وحدك في الكون . ولنفترض أن هناك قطعة قماش واحدة ، الحسن عندك أن تأخذها ، والحسن عند غيرك أن يأخذها . لكن الحسن الحقيقي أن يفصل في مسألة ملكية هذه القطعة من القماش من يعدل بينك وبين غيرك دون هوى . وألّا يكون واحد أولى عنده من الآخر . إذن لا بد أن يوجد إله يعصمنا من أهوائنا بمنهج ينزله يبين لنا الحسن من السئ ؛ لأن الحسن بالمنطق البشرى ستصطدم فيها أهواؤنا . ومثال آخر : افرض أننا دخلنا مدينة ما ، ورأينا مسكنا جميلا فاخرا وكل منا يريد أن يسكن فيه وكل واحد يريد أن يأخذه ؛ لأن ذلك هو الحسن بالنسبة له ، لكن ليس كذلك بالنسبة لغيره ، إذن فالحسن عندك قد يكون قبيحا عند الغير . فالحسن عند بعض الرجال إذا ما رأى امرأة أن ينظر إليها ويتكلم معها ، لكن هل هذا حسن عند أهلها أو أبيها أو زوجها ؟ . لا . إنّ الذي تعجبتم منه كان يجب أن تأخذوه على أنه هو الأمر الطبيعي الفطري الذي تستلزمه المقدمات . فقد جاءكم البلاغ على لسان رجل منكم . ولماذا لم يقل الحق : لسان رجل ؟ إننا نعلم أن هناك آية ثانية يقول فيها الحق : رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ( من الآية 194 سورة آل عمران )