محمد متولي الشعراوي

4193

تفسير الشعراوى

أي غيبة عن الحق ، أو في تيه عن الحق ، و « مبين » أي محيط بصورة لا يمكن النفاذ منها . ويرد نوح عليه السّلام : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 61 ] قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) هم قالوا له : « إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » ، المتبادر أن يكون الرد : ليس في أمرى ضلال ، لكنه قال هنا : « لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ » ، أقول ذلك لنعرف أن كل حرف في القرآن موزون لموضعه . هم قالوا له : إنا لنراك في « ضلال ، فيرد عليهم : ليس بي ضلالة ؛ لأن الضلال جنس يشمل الضلالات الكثيرة ، وقوله يؤكد أنه ليس عنده ضلالة واحدة . وعادة نفى الأقل يلزم منه نفى الأكثر ، مثلا عندما يقول لك صديق : عندك تمر من المدينة المنورة ؟ تقول له : ليس عندي ولا تمرة واحدة . أنت بذلك نفيت الأقل ، وهذا أيضا نفى للأكثر . ( قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ) . وحين ينفى نوح عن نفسه وجود أدنى ضلالة فذلك لأنه يعرف أنه لم يأت من عنده بذلك ، ولو كان الأمر كذلك لّاتهم نفسه بأن هواه قد غلبه ، لكنه مرسل من عند إله حق . . . وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 61 ) [ سورة الأعراف ] وقوله : « ولكني » استدراك فلا تقولوا : أنا في ضلال ؛ فليس فىّ ضلالة واحدة ، لكن أنا رسول يبلغ عن اللّه ، واللّه لا يعطى غير الهدى . ( رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي من سيد العالمين ومن متولى تربية العالمين ، ومن يتولى التربية لا ينزل منهجا يضل به من يربيهم ، بل ينزل منهجا ليصلح من يربيهم ، وسبحانه قبل أن يأتي بهم إلى الوجود سخر لهم كل هذا الكون ، وأمدهم بالأرزاق حتى الكافرين منهم ، ومن يعمل كل ذلك لن يرسل لهم من يضلهم .