محمد متولي الشعراوي
4178
تفسير الشعراوى
يفعل ذلك أن يترك كل إنسان لانفعالاته ، وأن يكون ملك نفسه وملك اختياره . ويعطينا الحق سبحانه وتعالى صورا كهذه فيقول : إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا ( 3 ) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ( الآية 3 ومن الآية 4 سورة مريم ) إذن كلمة « خفى » موجودة في القرآن ، ولا بد أن نتنبه إلى الدعاء الخفي . ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) ( من الآية 55 سورة الأعراف ) إذن إن لم يكن تضرعا وخفية فهو اعتداء في الدعاء ؛ لأنك مكلف واللّه هو المكلف ، وهو يقول لك : ادعوني تضرعا وخفية . فإن فعلت غير هذا تكن معتديا ، وعلى كل هؤلاء أن يفهموا أنهم معتدون فإما أن يكون الاعتداء في أسلوب الطلب وإما أن يكون الاعتداء في المطلوب . لأن الحق حدد أسلوب الطلب فأوضح : ادعوني بخفاء ، فإن دعوت في غير الخفاء تكن معتديا على منهج اللّه . وكذلك قد يكون الاعتداء في المطلوب فلا يصح مثلا أن تقول : إنني أدعوك يا رب أن تجعلني نبيا . إن ذلك لا يصح وربنا سبحانه وتعالى علمنا فيما سرده عن نوح . فقال : وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ( 45 ) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) ( سورة هود ) وهنا نبه الحق نوحا إلى الاعتداء في المطلوب فقال الحق : فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ( من الآية 46 سورة هود )