محمد متولي الشعراوي
4124
تفسير الشعراوى
رسالته وأسرّ لها يخوفه من أن يكون ما نزل إليه هو من أمور الجن أو مسها ، أسرعت إلى ورقة بن نوفل ؛ لأنه عنده علم بكتاب ، وقبل ذلك قالت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتعين على نوائب الحق وتكسب المعدوم » . وكل هذه المقدمات تدل على أنك - يا رسول اللّه - في حفظ اللّه ورعايته ؛ لأنك كنت مستقيم السلوك قبل أن تنبّأ ، وقبل أن توجد كرسول من اللّه . وهل معقول أن من يترك الكذب على الناس يكذب على اللّه ؟ ! وكذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق بمجرد ما أن قال رسول اللّه : أنا رسول ، قال له : صدقت . وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على صدق الفطرة ، وهذه هي فائدة رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أو من جنسكم البشرى حتى نجد فيه الأسوة الحسنة . ولو جاء لنا رسول من الملائكة وقال لنا : هذا هو المنهج ولكم أسوة بي ، كنا سنرد عليه الرد المقنع السهل اليسير : وهل نقدر أن نفعل مثلك وأنت ملك مفطور على الخير ؟ . لكن حين يأتينا رسول من جنسنا البشرى ، وهو صالح أن يصدر منه الخير ، وصالح أن يصدر منه الشر فهو الأسوة الموجودة ، ولذلك كان من غباء الكافرين أن قالوا ما جاء به القرآن على ألسنتهم : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) ( سورة الإسراء ) إنه الغباء وقصر النظر والغضب ؛ لأن اللّه بعث محمدا وهو من البشر ، فهل كانوا يريدون ملكا ؟ ولو كان ملكا فكيف تكون به الأسوة وطبعه مختلف عن طبائع البشر ؟ . ولذلك يرد الحق الرد المنطقي : قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 95 ) ( سورة الإسراء )