محمد متولي الشعراوي
4107
تفسير الشعراوى
والوجه هو السمة المعينة للشخص ؛ لأن الإنسان إن أخفى وجهه لن تعرفه إلا إن كان له لباس مميز لا يرتديه الا هو . والوجه أشرف شئ في التكوين الجسمي ، ولذلك كان السجود هو وضع الوجه في الأرض ، وهذا منتهى الخضوع لأمر اللّه بالسجود ؛ لأن السجود من الفاعل المختار وهو الإنسان يكون بوضع الجبهة على الأرض . وكل شئ خاضع لحكم اللّه نقول عنه : إنه ساجد . أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ . . ( 18 ) [ سورة الحج ] والشجر يسجد وهو نبات ، والدواب تسجد وهي من جنس الحيوان ، والشمس والقمر والنجوم والجبال من الجماد وهي أيضا ساجدة ، لكن حين جاء الحديث عن الإنسان قسمها سبحانه وقال : وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ . . ( 18 ) [ سورة الحج ] لأن الإنسان له خاصية الاختيار ، وبقية الكائنات ليس له اختيار . إذن فالسجود قد يكون لغير ذي وجه ، والمراد منه مجرد الخضوع ، أما الإنسان فالسجود يكون بالوجه ليعرف أنه مستخلف وكل الكائنات مسخرة لخدمته وطائعة وكلها تسبح ربنا ، فإذا كان السيد الذي تخدمه كل هذه الأجناس حيوانا ، ونباتا ، وجمادا قد وضع وجهه على الأرض فهو خاضع من أول الأمر حين نقول عنه إنه ساجد . وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ . . ( 29 ) [ سورة الأعراف ] والإقامة أن تضع الشئ فيما هيىء له وخلق وطلب منه ، وإن وجهته لناحية ثانية تكون قد ثنيته وأملته وحنيته ، وعوّجته . إذن فإقامة الوجه تكون بالسجود ؛ لأن الذي سخر لك هذا الوجود وحكمك بمنهج التكليف هو من جعلت وجهك في الأرض من أجله ، وإن لم تفعل ذلك فأنت تختار الاعوجاج لوجهك ، واعلم أن