محمد متولي الشعراوي

4097

تفسير الشعراوى

النبوة لم تأته الا بعد أن عصى وتاب ؛ فهو يمثل مرحلة البشرية لأنه أبو البشرية كلها ، والبشرية منقسمة إلى قسمين : بشر مبلغون عن اللّه ، وأنبياء يبلغون عن اللّه ، فله في البشرية أنه عصى ، وله في النبوة أن ربه قد اجتباه فتاب عليه وهداه . والذين يقولون : إن آدم كان مخلوقا للجنة ، نقول لهم : لا . افهموا عن اللّه ، لأنه يقول : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . إن أمر الجنة كان مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض . انها كانت تدريبا على المهمة التي سيقوم بها في الأرض ، والا فلو أن آدم قد خلقه اللّه للجنة وأن المعصية أخرجته ، الا أن اللّه قد قبل منه توبته ، وما دام قبل توبته فكان يجب أن يبقيه في الجنة ، ومن هنا نقول ونؤكد أن الجنة كانت مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض . وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع علينا التجربة لآدم حتى نتعظ بها ، وأن نعرف عداوة الشيطان لنا ، وألا نقع في الفتنة كما وقع آدم . يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما . . ( 27 ) [ سورة الأعراف ] وهذا نهى لبنى آدم وليس نهيا للشيطان ، وهذا في مكنة الإنسان أن يفعل أو لا يفعل ، فسبحانه لا ينهى الإنسان عن شئ ليس في مكنته ، بل ينهاه عما في مكنته ، والشيطان قد أقسم أن يفتنه وسيفعل ذلك لأنه أقسم وقال : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . فإياكم أن تنخدعوا بفتنة الشيطان ؛ لأن أمره مع أبيكم واضح ، ويجب أن تنسحب تجربته مع أبيكم عليكم فلا يفتننكم كما أخرج أبويكم من الجنة ، ويتساءل البعض : لماذا لم يقل اللّه : لا يفتننكم الشيطان كما فتن أبويكم ، وقال : « لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ » ؟ . ونقول : هذا هو السمو والافتنان الراقي في الأداء البياني للقرآن . وإن هذا تحذير من فتنة الشيطان حتى لا يخرجنا من جنة التكليف . كما فتن أبوينا فأخرجهما من جنة التجربة . ويقال عن هذا الأسلوب إنه أسلوب احتباك ،