محمد متولي الشعراوي

4080

تفسير الشعراوى

قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 82 ) ( سورة ص ) كأن الحق سبحانه وتعالى جعل الجنة كمكان فيه كل مقومات الحياة لآدم بصنع اللّه - سبحانه - وإعداده ، وأعطى له منها القدر الذي يعطى المقوم بلافضلات تتعبه ، ولا ينتفخ ولا يعاني من متاعب في الصحة . . . إلخ ؛ لأنه سبحانه يعطى لآدم القدر المقوم . وسبحانه قادر على كل شئ بدليل أنه يرعى الجنين في بطن أمه ، والجنين ينمو ، والنمو معناه أنه يتلقى الغذاء ، ولا يخرج منه فضلات ؛ لأن الغذاء الذي يدخله اللّه له على قدر النمو فقط ، وحين يكون ربنا هو الذي يمد جنة التدريب بالغذاء ، فهو قادر على كامل الإعداد . إذن فالجنة التي وجد فيها آدم بداية ليست هي جنة الجزاء ؛ لأن جنة الجزاء لا بد أن تأتى بعد التكليف . ولا يمكن أن يكون فيها تكليف ، ومن يسكنها لا يخرج منها . وآدم - كما علمنا - مخلوق للأرض ، إذن وجود الجنة هنا يعنى أنها مكان التدريب على المهمة في الخلافة أمرا متمثلا في فَكُلا ، ونهيا متمثلا في وَلا تَقْرَبا ، لم يقل لهما : لا تأكلا ، بل قال : لا تَقْرَبا لأن القربان مظنة أنه يؤدى إلى الغواية ويدفع إليها . وهو قد أكل منها لأنه جاء ناحيتها واقترب منها ، ولو كان قد استمع ولم يقرب لما أكل منها . فكأن اللّه جعل لآدم في جنة التدريب والتمرين رمزين : الرمز الأول : ل « افعل » ، والرمز الثاني : ل « لا تفعل » ، ونجد أن الذي نهى اللّه عنه قليل بالنسبة لما أباحه وأمر به . وهذا من رحمة اللّه بالعباد ، فيفعل المؤمن ما يؤمر به ، ولا يحوم حول ما حرمه اللّه ؛ لأنه لا يأمن حين يرى ما حرم اللّه أن تميل نفسه إليه ، ولذلك قال : وَلا تَقْرَبا فلو أنهما لم يقربا ما كانت الشجرة تغريهما بأي منظر . ولذلك في كثير من الأشياء التي يحرمها الحق سبحانه وتعالى وفي قمتها ما يصون ويحفظ العقيدة الأساسية ، يقول بعدم الاقتراب أو الاجتناب ، فسبحانه هو القائل : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( من الآية 30 سورة الحج )