محمد متولي الشعراوي

4077

تفسير الشعراوى

كثير من العلماء تواتر نقل العلم عندهم إلى أن الجنة هي جنة الآخرة والخلود ، واعترض البعض متسائلين : كيف يدخل إبليس جنة الخلود ؟ . وكيف يخرج منها ؟ . وهل الذي يدخل الجنة يخرج منها ؟ . وهؤلاء العلماء الذين قالوا : إن الجنة هي جنة الآخرة ، لم يفطنوا إلى مدلول كلمة « جنة » ؛ فساعة تطلق كلمة جنة ، تأخذ ما يسمى في اللغة « غلبة الاستعمال » ، أي تأخذ اللفظ من معانيه المتعددة إلى معنى واحد يستقل به عرفا ، بحيث إذا سمع انصرف الذهن إليه ، فأنت إذا سمعت يا مؤمن كلمة الجنة ينصرف ذهنك إلى جنة الآخرة ؛ لأنها هي التي تعتبر جنة بحق ، لكن حينما يأتي اللفظ في القرآن والمتكلم هو اللّه ، فلابد أولا أن ندرس اللفظ واستعمالاته في اللغة ؛ لأن القرآن جاء بلسان عربى مبين ، فمن الجائز أن يوجد اللفظ في اللغة وله معان متعددة . وعندما يتعلق الأمر بالدين والفقه فإننا نأخذ اللفظ من معناه اللغوي ، ونجعله ينصرف إلى المعنى الشرعي الاصطلاحي . مثال ذلك كلمة « الحج » فأنت ساعة تسمع كلمة « الحج » تقول : هو قصد بيت اللّه الحرام للنسك والعبادة في أشهر معلومة ، على الرغم من أن « الحج » في اللغة هو القصد ، فإذا قصدت أي شئ تقول : حججت إليه . فلما جاء الإسلام أخذ هذا اللفظ من اللغة واستعمله في الحج بالمعنى الشرعي ، وهو قصد البيت الحرام للنسك ، وكذلك كلمة « الصلاة » إنها في اللغة الدعاء ، فقوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي ادع لهم ، ولما جاء الإسلام أخذ الكلمة من اللغة ، وجعلها تطلق على معنى اصطلاحى جديد بحيث إذا أطلق انصرفت إليه ، وهي الأقوال والأفعال المخصوصة ، المبدوءة بالتكبير المختومة بالتسليم بشرائطها الخاصة . ولكن هل معنى أننا أخذنا اللفظ من اللغة وجعل له الشرع معنى اصطلاحيّا أن هذا يكون تركا لمعناه الأصلي ؟ . لا ؛ لأنك إن أردت أن تستعمله في معناه الأصلي فلك ذلك ، ولكنك تحتاج إلى قرينة تدل على أنك لا تريد الصلاة الشرعية لأن كلمة « صلاة » أصبحت هي الصلوات الخمس المعروفة لنا ، مع أن معناها الأصلي كان الدعاء ، وهذا هو ما جعل العلماء يذهبون إلى أن كلمة « الجنة » ساعة تطلق ينصرف الذهن إلى جنة الخلود . ونقول : المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الذي فيه أشجار غزيرة ومتنوعة ، أما غزارتها وعلوها فتستر