محمد متولي الشعراوي

4050

تفسير الشعراوى

هذه الموازين هي عين العدل ، وليست مجرد موازين عادلة ، بل تبلغ دقة موازين اليوم الآخر أنها هي عدل في ذاتها . وهنا يقول الحق : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ . نعم ، الميزان في هذا اليوم حق ودقيق ، ولنذكر أنه قال من قبل : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) ( سورة الأنعام ) والميزان الحق هو الذي قامت عليه عدالة الكون كله ، وكل شئ فيه موزون ، وسبحانه هو الذي يضع المقادير على قدر الحكمة والإتقان والدقة التي يؤدى بها كل كائن المطلوب منه ، ولذلك يقول سبحانه : وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ ( 7 ) ( سورة الرحمن ) ولم نر السماء قذفت وألقت علينا أحداثا غير متوقعة منها ، فالكون له نظام دقيق . والوزن في يوم القيامة هو مطلق الحق ، ففي هذا اليوم تبطل موازين الأرض التي كانت تعاني إما خللا في الآلة التي يوزن بها ، وإمّا خللا في الوزن ، وإمّا أن تتأثر بأحداث الكون ، وما يجرى فيه من تفاعلات ، أما ميزان السماء فلا دخل لأحد به ولا يتأثر إلا بقيمة ما عمل الإنسان ، وساعة يقول سبحانه : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ . فكأن الميزان في الدنيا يمكن أن يحصل فيه خلل ، وكذلك الملك أيضا ؛ لأنه سبحانه أعطى أسبابا للملك المناسب لكل إنسان ، فهذا يملك كذا ، والثاني يملك كذا ، والثالث يملك كذا ، وبعد ذلك يتصرف كل إنسان في هذا الملك إن عدلا ، وإن ظلما على ضوء الاختيار . لكن حين يأتي اليوم الآخر فلا ملك لأحد : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ( من الآية 16 سورة غافر ) فالأمر حينئذ يكون كله للّه وحده ، فإن كان الملك في الدنيا قد استخلف فيه الحق