محمد متولي الشعراوي

4029

تفسير الشعراوى

كأن من الخلافة أننا لا نكون متماثلين متطابقين ، بل أارد سبحانه أن نكون متكاملين في المواهب ، وفي الكماليات ؛ لأن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب ، لفسدت الحياة ، فلابد أن تختلف مواهبنا ، لأن مطلوبات الحياة متعددة ، فلو أصبحنا كلنا أطباء فالأمر لا يصلح ، ولو كنا قضاة لفسد الأمر ، وكذلك لو كنا مهندسين أو فلاحين . إذن فلابد من أن تتحقق إرادة اللّه في قوله سبحانه : وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ . . ( 165 ) [ سورة الأنعام ] أي أن البعض قد رفع ، والبعض الآخر رفع عليه ، فمن هو البعض المرفوع ؟ ومن هو البعض المرفوع عليه ؟ . إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه ، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه ؛ لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون ، ولا ينشأ التكاتف تفضلا ، وإنما ينشأ لحاجة ، فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطرارا ، وهذه هي هندسة المكون الأعلى سبحانه التي تتجلى في أنك وضعت خريطة لمن دخلوا معك في مرحلة التعليم الابتدائي . ومن ترك منهم الدراسة ومن استمر ليدخل الدراسة الإعدادية . إنك تجدهم أقل ، ومن درس في المرحلة الثانوية أقل ، ومن تعلم التعليم العالي أقل ، ومن نال الدكتوراه أقل . وهكذا نجد أن البعض يتساقط من التعليم لأن هناك أكثر من مهمة في الكون لا تحتاج إلا إلى حامل الابتدائية فقط ، أو حامل الإعدادية ، أو إلى حامل شهادة إتمام الدراسة الثانوية ، ولو ظل كل واحد منهم في التعليم العالي ، فلن نجد لتلك المهام أحدا . لذلك جعل اللّه التكاتف في الكون احتياجا لا تفضلا . والحظوا جيدا : أن الإنسان إذا عضّه جوع بطنه أو جوع عياله فهو يقبل أي عمل ، وإن رضى بقدر اللّه فيما وضعه فيه ، ولم يحقد على سواه فسيتقن هذا العمل ، وسيتفوق فيه وسيرزقه اللّه الرزق الحلال الطيب . ولذلك قال الإمام على : قيمة كل امرئ ما يحسنه ، فإن أحسن الإنسان عمله ، فهو إنسان ناجح في الوجود . وهكذا أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يجلنا أشخاصا مكررين ، ولكن جعلنا متفاضلين متفاوتين ، فرفع بعضا على بعض ، وكل منا مرفوع فيما يجيد ، ومرفوع