محمد متولي الشعراوي

4021

تفسير الشعراوى

لحج ، وتبقى الصلاة التي لا تسقط أبدا عن العبد . وهي - كما نعلم - قد أخذت التكليف حظها من الركنية . إن كل تكليف من التكاليف جاء بواسطة الوحي إلا الصلاة فإنها جاءت بالمباشرة ، تلقاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ربه دون واسطة . وحين يقول الحق : « إِنَّ صَلاتِي » ، فهو يذكر لنا عمدة الأركان والتي اشتملت على كل الأركان كما أوضحنا سابقا . حتى إن الإنسان إذا كان راقدا في مرض ولا يستطيع القيام فعليه أن يحرك رأسه بالصلاة أو يخطر أعمال الصلاة على قبله . ويقول الحق : وَنُسُكِي . و « النسك » يطلق ويراد به كل عبادة ، والحق يقول : لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ ( من الآية 67 سورة الحج ) « النسك » إذن هو عبادة ويطلق بالأخص على أفعال كثيرة في الحج ، مثل نسك الطواف ونسك السعي ، ونسك الوقوف بعرفة ، ونسك الرمي ، ونسك الجمار ، وكل هذه اسمها مناسك ، والأصل فيها أنها مأخوذة من مادة « النسيكة » وهي السبيكة من الفضة التي تصهر صهرا يخرج منها كل المعادن المختلطة بها حتى تصير غاية في النقاء . فسميت العبادة نسكا لهذا ، أي يجب أن تصفى العبادة للّه كما تصفى سبيكة الفضة من كل المعادن التي تخالطها : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي . وهنا أمران اختياريان ، وأمران لا اختيار للإنسان فيهما ، الصلاة والمناسك كلاهما داخل في قانون الاختيار ، لكن المحيا والممات لا يدخل أي منهما في قانون الاختيار ؛ إنهما في يد اللّه ، والصلاة والنسك أيضا للّه ، ولكن باختيارك ، وأنت لا تصلى إلا لأنك آمنت بالآمر بالصلاة ، أو أن الجوارح ما فعلت كذا إلا للّه . إذن فأنت لم تفعل شيئا من عندك أنت ، بل وجهت الطاقات المخلوقة للّه لتأدية المنهج الذي أنزله اللّه . إذن إن أردت نسبة كل فعل فانسبه إلى اللّه . ولماذا جاء بالصلاة والنسك وكلاهما أمر اختياري ؟ ؛ لأنه إن كان في ظاهر الأمر لكم اختيار ، فكل هذا الاختيار نابع من إيجاد اللّه لكم مختارين . وهو الذي وضع