محمد متولي الشعراوي
4008
تفسير الشعراوى
الإشارة متقدم أو حاضرة يشار إليه فهذا دليل على أنك إن أشرت لا ينصرف إلا إليه لأنه متعين ينصرف إليه الذهن بدون تفكير لوضوحه . وكلمة « كتاب » تدل على أنه بلغ من نفاسته أنه يجب أن يكتب ويسجل ؛ لأن الإنسان لا يسجل ولا يكتب إلا الشئ النافع ، إنما اللغو لا يسأل عنه ، وقال ربنا عن القرآن : إنه « كتاب » ، ومرة قال فيه : « قرآن » فهو « قرآن » يتلى من الصدور ، و « كتاب » يحفظ في السطور . ولذلك حينما جاءوا ليجمعوه أتوا بالمسطور ليطابقوه على ما في الصدور . وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ . . ( 155 ) [ سورة الأنعام ] و « أنزلناه » أي أمرنا بإنزاله ، ونزل به الروح الأمين ، وكلمة مبارك مأخوذة من « البركة » أي أنه يعطى من الخير والثمرة فوق ما يظنّ فيه ، وقد تقول : فلان راتبه مائتا جنيه ، ويربى أولاده جيدا ويشعر بالرضا ، وتجد من يقول لك : هذه هي البركة . كأن الراتب لا يؤدى هذه المسئوليات أبدا . وكلمة « البركة » تدل على أن يد اللّه ممدودة في الأسباب ، ونعلم أن الناس ينظرون دائما إلى رزق الإيجاب ، ولا ينظرون إلى الرزق الأوسع من الإيجاب وهو رزق السلب ، فرزق الإيجاب يأتي لك بمائتى جنيه ، ورزق السلب يسلب عنك مصارف لا تعرف قدرها . فنجد من يبلغ مرتبه ألفا من الجنيهات ، لكن بعض والده يمرض ، ويحتاج ولد آخر إلى دروس خصوصية فتتبدد الألف جنيه ويحتاج إلى ما فوقها . إذن فحين يسلب الحق المصارف وإنفاق المال في المعصية أو المرض فهذه هي بركة الرزق ، ونجد الرجل الذي يأتي ماله من حلال ويعرق فيه يوفقه اللّه إلى شراء كل شئ يحتاج إليه ، ويخلع اللّه على المال القليل صفة القبول ، ونجد آخر يأتي ماله حرام فيخلع اللّه على ماله صفة الغضب فينفقه في المصائب والبلايا ويحتاج إلى ما هو أكثر منه . وأنت حين تقارن القرآن بالتوراة في الحجم تجده أصغر منها ولكن لو رأيت البركة التي فيه فستجدها بركة لا تنتهى ؛ فكل يوم يعطى القرآن عطاءه الجديد ولا تنقضى عجائبه ، ويقرأه واحد فيفهم منه معنى ، ويقرأه آخر فيفهم منه معنى جديدا . وهذا دليل على أن قائله حكيم ، وضع في الشئ القليل الفائدة الكثيرة ،