محمد متولي الشعراوي
4006
تفسير الشعراوى
وحينما جاء موسى عليه السّلام بالتوراة كما أنزلها اللّه عليه عاصره أناس آمنوا بما في التوراة ، وكانوا من الناجين ، وقد ماتوا . أما الذين استمرت حياتهم إلى أن جاء رسول اللّه ، فكان من المطلوب منهم أن يؤمنوا به ؛ لأن الحق أوضح لهم في التوراة أن هناك رسولا قادما ، ولا بد أن تؤمنوا حتى تتم نعمة الإحسان عليكم ، لأنكم وإن كنتم مؤمنين بموسى ، وعاملين بمنهجه فلابد من الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . والسابقون لكم أحسنوا في زمن بعثة رسالة موسى عليه السّلام ، وجاء محمد بالرسالة الخاتمة فإن أردتم أن يتم اللّه عليكم الحسن والكرامة والنعمة ، فلابد أن تعلنوا الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، منكم من أحسن الاقتداء بموسى عليه السّلام وآمنوا بمحمد فتم لهم الحسن : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . « وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ » أي أنّه مناسب لزمنه ، ولله المثل الأعلى ، عندما يكون لك ولد صغير السن فتقول : أنا فصلت له ملابسه ، أي فصلت له الملابس التي تناسبه . وحين يكبر لن تظل ملابسه القديمة صالحة لأن يرتدتها . « وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ » أي القيم التي تناسب الوقت الذي يعيشونه ، فإذا ماجئنا بتفصيل جديد في القرآن فهو مناسب لوقته ، ولقائل أن يقول : هنا تفصيل ، وهنا تفصيل ، فما الفرق بين تفصيل وتفصيل ؟ . نقول : إن كل تفصيل مناسب لزمنه ، وآيات القرآن مفصلة جاهزة ومعدة لكل زمن وللناس جميعا إلى أن تقوم الساعة . والآفة - دائما - في القائمين على أمر التشريع ، فحينما تأتيهم حالة لذي جاه وسلطان يحاولون إعداد وتفصيل حكم يناسبه ، فنقول لمثل هذا الرجل : أنت تفصل الحكم برغم أن الأحكام جاهزة ومعدة وظاهرة ، إننا نجد القوالب البدنية تختلف فيها التفصيلات للملابس بينما القوالب المعنوية نجد فيها التساوي بين الناس كلها ، فالصدق عند الطفل مثل الصدق عند اليافع ، مثل الصدق عند الرجل ، مثل الصدق عند المرأة ، مثل الصدق عند العالم ، مثل الصدق عند التاجر . وليس لكل منهم صدق خاص ، وكذلك الأمانة . ورحمنا الإسلام بالقضية العقدية وكذلك بالقضية الحكمية الجاهزة . المناسبة لكل بشر ، وليست هناك آية على مقاس واحد تطبق عليه وحده ، لا ، فالآيات تسع الجميع .