محمد متولي الشعراوي

4002

تفسير الشعراوى

آفة كل هذا تنشأ من شهوة السلطة الزمنية ، وكل إنسان يريد أن يكون له مكانة ونفوذ وخلافة . وهذا يريد أن يتزعم فريقا ، وذاك يريد أن يتزعم فريقا ، ولو أنهم جمعوا على الطريق الواحد لما كانوا فرقاء . ونجده صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة » « 1 » . وفي راوية : « كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة » ، والجماعة : هم أهل السنة والجماعة ، وفي رواية : « ما أنا عليه وأصحابي » . ونلاحظ دقة هذا القول في عدد المذاهب والفرق ، وإن كنتم لا تسمعون عن بعضها لأنها ماتت بموت الذين كانوا يتعصبون لها ، والذين كانوا يريدون أن يعيشوا في جلالها . إذن الآفة تأتى خير ننظر حين إلى حكم من الأحكام ، يرى فيه واحد رأيا ، ويأتي الآخر فيرى فيه رأيا آخر ، لا لشئ إلا للاختلاف . ونقرل لهم : انتبهوا إلى الفرق بين حكم محكم ، وحكم تركه اللّه مناطا للاجتهاد فيه ، فالحكم الذي أراده اللّه محكما جاء فيه بنص لا يحتمل الخلاف ، وهذا النص يحسم كل خلاف . والحكم الذي يحبه اللّه من المكلّفين تخفيفا عنهم على وجه من الوجوه يأتي بالنص فيه محتملا للاجتهاد ، ومجىء النص من المشرع في حكم محتمل للاجتهاد هو إذن بالاجتهاد فيه ؛ لأنه لو أراده حكما لا نختلف فيه لجاء به محكما . والمثال المستمر ما تركه لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في سنته الشريفة ، فحينما أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يضع السلاح قبل أن يؤدب بني قريظة ، وهم من شايعوا مشركي مكة في الحرب . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يصلّينّ أحد العصر إلا في بني قريظة » « 2 » .

--> ( 1 ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة . ( 2 ) رواه البخاري في المغازي ، والبيهقي في الدلائل والسنن .