محمد متولي الشعراوي
2669
تفسير الشعراوى
ولماذا جاءت كلمة « محسن » هنا ؟ وقد تكلم صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإحسان ، ونعرف أننا آمنا باللّه غيبا ، لكن عندما ندخل بالإيمان إلى مقام الإحسان ، فإننا نعبد اللّه كأننا نراه فإن لم نكن نراه فهو يرانا . والحوار الذي دار بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأحد صحابته وكان اسمه الحارث فقال له : « كيف أصبحت يا حارث ؟ فقال : أصبحت مؤمنا حقا . فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : « انظر ما تقول ؛ فإن لكل شئ حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ » قال : عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلى وأظمأت نهارى ، وكأني أنظر إلى عرش ربى بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ( يتصايحون فيها ) فقال : « يا حارث عرفت فالتزم ثلاثا » « 1 » . ويعرف الإنسان من أهل الصلاح أنّه في لقاء دائم مع اللّه ، لذلك يضع برنامجا لنفسه موجزه أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر اللّه إليه ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) إنه يستحضر أنه لا يغيب عن اللّه طرفة عين فيستحيى أن يعصيه . ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - عندما سأل جبريل - عليه السّلام - رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقال له : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : « أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 2 » . وعندما تتيقن أن اللّه ينظر إليك فكيف تعصيه ؟ أنت لا تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبد مساو لك . . فكيف تفعله مع اللّه ؟ ! ! وتتجلى العظمة في قوله الحق : « وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً » لماذا إذن « مِلَّةَ إِبْراهِيمَ » ؟ لأن القرآن يقول عن إبراهيم : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ( من الآية 120 سورة النحل ) ومعنى كونه « أمّة » : أنّه الجامع لكل خصال الخير التي لا تكاد تجتمع في فرد إلا
--> ( 1 ) - رواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية . وضعّفه الدار قطني وابن حبان . ( 2 ) - من حديث طويل رواه الإمام مسلم .