محمد متولي الشعراوي
3221
تفسير الشعراوى
ساعة يسمع إنسانا آخر يسب الدين يثور ويغضب ويتحول إلى مدافع عن دين اللّه ، وتلك هي الفطرة الإيمانية التي فطر اللّه كل الناس عليها . والذي يجعل الدين أمرا شاقا على النفس البشرية ليس فطرة الدين ، ولكنه تكليف التدين ؛ لأنه أمر يدخل في الاختيار . وقد جعل الحق التكليفات الإيمانية كلها في مناط الاختيار البشرى ، ولم يشأ أن تكون أمرا قهريا . ولو شاء سبحانه أن يجعل كل الناس مؤمنين لما قدر أحد على الكفر : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) ( سورة الشعراء ) فليس في قدرة أحد أن يتأبى على اللّه ، ولكنه شاء أن يجعل تكاليف الإيمان مسألة اختيارية . والإنسان حر في أن يفعل تكاليف الإيمان أو لا يفعلها ، وفي كلتا الحالتين سيلقى الجزاء . مثال ذلك : « اللسان » خلقه اللّه صالحا أن يقول : « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » ، وهذا اللسان نفسه صالح لأن يقول : - والعياذ باللّه - « أنا لا أؤمن باللّه » . ولا يعصى اللسان صاحبه ، فقد خلقه اللّه مجهزا للتعبير عن مكنونات قلب الإنسان وخاضعا لإرادة الإنسان . ومثال آخر من مصنوعاتنا نحن : جهاز التليفزيون الذي صممه البشر ليكون آلة منقادة ومسخرة لما يرسله الإنسان فيه من برامج ، فإن أرسل الإنسان في جهاز التليفزيون أفلاما وبرامج دينية وعلمية تستكشف آيات اللّه في الكون وتثبت قيم الإنسان على الإيمان فهذا اختيار إيماني . وإن أرسل الإنسان أفلاما خليعة تحض على المجون والفسق فهذا اختيار يلحق الإنسان بدائرة المفسدين في الأرض . إذن فالحق خلق الإنسان صالحا لتطبيق تكاليف الإيمان وصالحا للخروج عن التكليف . وحين يأمر اللّه عباده أن يطبقوا أو ينفذوا التكليف الإيمانى فهو يعلم أن قدرة الإنسان تسع التكليف ؛ لأنه العليم بعباده ، ولو لم يكن باستطاعتهم تنفيذ التكليف لما كلفهم به . وكلنا نعرف الفرق بين « العباد » و « العبيد » ؛ فكل الكائنات عبيد للّه ، والإنسان من عبيد اللّه إن كان متكبرا على التكليف ، وإن خرج